العلاقات الخارجية للدولة الرستمية جودت عبد الكريم يوسف

العلاقات الخارجية للدولة الرستمية

الجزء ١ · صفحة ٢٩١

القبائل تكالب الأمراء على كراسي الحكم لم تعد تتقبل الاقتتال فيما بينها، من أجل هذا الطرف أو ذاك، كما يبدو أنه سيطر عليها شعور بالانتماء القومي، وربما أدرك أمراء دول المغرب الاسلامى هذا الأمر، فاختفت رغبتهم في تسيير الجيوش، لتحل محلها رغبة في أن يسود السلم المنطقة. وربما أن هؤلاء الأمراء قد قنعوا

بما هم فيه

it

من المرجح أنه نتيجة لهذه السياسة، لم تنشب حروب بين دول المنطقة رغم اختلاف نظمها السياسية، اذ توقفت الحروب على حدود الأغالبة بعد حادثة طبنة، كما استبعدت حادثة العباسية ـ التي أوردها عدد من المؤرخين ـ من بين الحوادث التاريخية، وتبين أن حصار) طرابلس» وموقعة (مانو» يدخل في اطار السياسة الداخلية لدولة الأغالبة، ونفس الهدوء ظهر على حدود تاهرت الشمالية والغربية، فلم تسجل حوادث عسكرية بين الرستميين وأمويي الأندلس بل ان تاهرت كانت تساعدهم على بناء جيشهم بامدادهم بالرجال، كما لم تسجل بين تاهرت وفاس أو سجلماسة، مما يؤكد على رغبة دول المنطقة أن تتعايش سلميا، لتتفرغ لأمورها الداخلية، وحتى ملوك السودان، قد كانت لهم مثل تلك الرغبة، قلم يفكر الرستميون في تسيير جيوشهم الى جنوب الصحراء، كما لم يفكر أولئك الملوك من جهتهم بمثل هذا الأمر، ومهما كانت الاسباب، فمن المرجح أن عامل المصلحة المتبادلة كان من بينها.

يبدو أن هذه السياسة قد أتت أكلها، فقد ساعد الأمن والاستقرار على نشاط الحركة العلمية في تاهرت، فغدت مرکز اشعاع ثقافي في بلاد المغرب الاسلامي، اليها يفد الطلاب والعلماء، ومنها ينطلقون الى مختلف عواصم المنطقة، وبفضل سياسة الحرية و الباب المفتوح»، فقد ظهرت مختلف المذاهب في تاهرت، وقام علماء هذه المذاهب باجراء اتصالات باخوانهم في المدن المغربية الأخرى، كما تعددت حلقات الجدل والمناظرة التي كانوا يعقدونها في العاصمة الرستمية، وهذا يدل على اهتمام التاهرتيين بالعلم، وتطور الحركة العلمية في تاهرت، ودورها في نشر العلم في المنطقة، وكان خير من يمثل هذا الأمر بكر بن حماد التاهرتي، وكنتيجة لهذا، فقد امتزجت الثقافتان: المغربية والأندلسية بالثقافة الاسلامية، فظهرت ثقافة جديدة ذات طابع ديني.

291

٢٩١ / ٣٢١