العلاقات الخارجية للدولة الرستمية
الجزء ١ · صفحة ٤٩ويظهر أن الخلافة العباسية بعد فشل سياستها في المغرب الاسلامي رأت أن تعدل بارادتها عن تمسكها بفكرة الجماعة الى فكرة المصالح الاقليمية فابتدأ العرف يجري بجواز قيام أمراء الى جانب الخلافة (1)، على أساس التبعية الاسمية أو على الأقل التزام الهدوء، ومن الممكن أن تنطبق هذه السياسة على اباضيي تاهرت، مادامت تنطبق على صفرية سجلماسة، فان أبا القاسم سمكو خطب في عمله للمنصور والمهدي (2) ويبدو أن هذه الخطبة استمرت الى عهد اليسع بن مدرار (3) وبذلك لا يستطيع المرء أن يقر بوجود دولة مثل تاهرت، دبت فيها المنازعات والخصومات الى جانب القيروان التي سيطرت على غرب البحر الأبيض المتوسط الا أن يقر بهذه العلاقة، وهذا أمر محتمل، مادامت تاهرت تبدو كامارة صغيرة في المغرب الأوسط، من الدولة الرستمية المجزأة، ومادام حماس أتباع المذهب الاباضي قد خفت، بعد فشل جهودهم في تحقيق الهدف الذي أتوا أجله الى المغرب، فمالوا الاعتدال والسكون، وأخذوا يسعون لاقامة مجتمع من خاص بهم، يسوده نظام اجتماعي مبني على أسس مذهبية، نجحوا في تحقيقه الى حد ما، فمارسوا استقلالا تجلى ذلك في الامامة، فكان الامام الرستمي يتولاها دون تدخل خارجي، ويعين القاضي وصاحب الشرطة وصاحب بيت المال، وتجلى في ارتباطها بعلاقات خارجية وفق مصلحتها، ولم تكن القيروان تعارض مثل هذا الاستقلال وهي التي سمحت للجماعات الاباضية في افريقية أن تمارس حياتها المذهبية والاجتماعية الخاصة بها.
ويبدو
مما تقدم
أن الدولة الرستمية كانت دولة دينية، برئاسة اباضية
مستقلة ضمن الاطار الاسلامي.
(1) اتبع العباسيون هذه السياسة منذ عهد هرون الرشيد (170 - 193 هـ)، أنظر: سيدة اسماعيل كاشف: مصر في عصر الولاة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، بدون تاريخ، ص: 28، وقد اقتطع المعتصم 219 هـ، نفس المرجع، ص: 29، الا أن هذه السياسة تأكدت القائد التركي ابا جعفر اشناس مصر) في القرنين الثالث والرابع الهجري فظهرت الدولة الظاهرية والصفارية والسامانية وغيرها.
(2) القلقشندي: المصدر السابق، ج 5 ص: 165 (3) مؤلف مجهول: الاستبصار، ص: 204، كذلك: ابن خلدون: المقدمة، فهو يذكر أن اليشع (اليسع (اعتقل المهدي (مرضاة للخليفية»، ص: 21.
49