العلاقات الخارجية للدولة الرستمية
الجزء ١ · صفحة ٧٤الجيوش الجرارة اليهم، أما عبد الرحمن فقد اقتضته ظروفه أن يدخل في طور الكتمان ويلوذ الى التقية، فلم تكن امكانياته تسمح له برد الهزيمة التي لحقت به، اذ كان يعتمد على اعانات مالية من الشرق، كذلك فانه حتى وقوع حصار طبنه 154 هـ / 770 م لم يستطع أن يجند أكثر من خمسة عشر ألف جندي، فاضطر الى التزام الهدوء، وربما أوحى له تحالف الخوارج بزعامة أبي قرة أن الفرصة أصبحت سانحة لاستعادة القيروان فعاد الى طور الدفاع، الا أن هذا أمر مستبعد، والا لكان الأجدى له أن يتحالف مع أبي حاتم، الا اذا كان قد فقد ثقته باباضية افريقية، لانفضاضهم عنه سابقا، ومهما يكن من أمر، فان عبد الرحمن قد وضع لنفسه سياسة منذ فراره تقوم على تأسيس دولة ثابتة الأركان، والعمل على نشر المذهب الاباضي، وربما أن فشل الخوارج عامة في هزيمة القيروان في ذلك الحصار قد شجعه على انتهاج هذه السياسة، لذلك «شمر عن ميزره وأحسن سيرته وجلس في مسجده للأرملة والضعيف) (1) بمعنى أنه ركز جهوده واهتمامه على أموره الداخلية، وربما لهذا لم يتحرش بالقيروان، فمنذ اشتراكه في حصار طبنة،
بل وقبل ذلك، لم يحاول أن يختلق المشاكل، ويثير الاضطرابات أمام القيروان. ما كان عبد الرحمن لينتهج هذه السياسة، لولا أن ظروف هذه الأخيرة القيروان كانت تفرض ذلك، فإذا كان محمد بن الأشعث قد دخل القيروان، الا أن الاضطرابات قد واجهته، فقد خرج عليه هاشم بن اشناخنج الفراساني وظافره من بالبلد من الجند وأهل خراسان فأخرجوه عن البلد». ولم ينج منها الاغلب بن سالم فقد حاربه أبوقرة المغيلي أو اليفرني، وثار عليه الحسن بن حرب بتونس وكان
)
من العرب البلديين، ولم يخل عهد عمر بن حفص 154151 ه من الاضطرابات
فاستولى الاباضية على القيروان، ولم ينقذها منهم الا يزيد بن حاتم الذي «بث خيوله في طلب الخوارج فقتلهم في كل سهل وجبل) (2) وكان كثير الشبه بجده المهلب في خروبه ودهائه وكرمه وسخائه وذكر أبو العرب أنه قال «الحمد لله الذي لم أمت حتى جعلت فيما بيني وبين الله تبارك وتعالى من يحكم في عباده بالحق» (3)
(1) ابن الصغير: السير، ص: 10 (2) الرقيق القيرواني: المصدر السابق، ص
160:
(3) أبو العرب: طبقات علماء افريقية وتونس - تحقيق علي الشابي ونعيم اليافي - الدار التونسية للنشر المطبعة
الرسمية للجمهورية التونسية 1968، ص: 218.
6
- 74