النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ١١١

107

(ج) الأدلة العقلية: وتتمثل في عنصرين:

1 - إن الأكثرية جاهلة ببواظن الأمور: ومفاده أن الحق في غالب الأحيان يكون إلى جانب أقلية من أهل الحكمة والنظر، وأن الأكثرية غالبا ما تغتر بعددها فتتجنب الحق، بل وتقاومه وتتبع أهوائها، وتتصرف بما يخالف مصلحتها، لأن العامة من الناس والغوغاء لا تدرك خفايا الأمور وبواطنها بل تنخدع بالمظاهر والأشكال، ويقول الإمام جمال الدين الأفغاني في هذا الصدد: إن الحقائق من أديان و مذاهب وقواعد علمية وفنية ما ظهرت واستقرت وانتشرت إلا بواسطة أفراد قلائل، بعد أن قاومهم المجموع بأشد مالديه من القوة ووسائل القهر >> (1). وعليه فالثورات والحركات الإصلاحية السياسية وغيرها، في كافة المجتمعات والأزمنة والأمكنة تقوم بها دائما فئة أقلية من الناس رغم مقاومة أغلبيتهم.

الرد: إن في هذا القول مصادرة عن المطلوب، إذ لا ينكر دور الأقلية في إحداث الثورات والتغييرات الإجتماعية الظرفية، غير أننا بصدد البحث عن دور الأكثرية في تسيير الشؤون العامة للدولة، ومدى الزامية الرأي الصادر عن إرادة جماعية لأهل الشورى - الخاصة أو العامة - على الحاكم. أما الحجة التي مفادها أن الأغلبية من الجماهير والعامة جاهلة ولا تدرك بواطن الأمور فهي لا تؤدي إلا إلى تبرير التسلط وحكم الأقلية بل وإلى الاستبداد بالرأي والقول بفكرة الوصاية على الأمة، وهذا مما يتنافى صراحة مع ما أعطاه الإسلام من وزن للفرد في المجتمع وحق في المشاركة في الحياة العامة، وسوف نرى الأدلة والحجج العقلية التي تدعم مبدإ الخضوع للأكثرية عند إستعراضنا للرأي الذي قال به الإتجاه الثاني.

2 - إن الإسلام، إذا كان لا يلزم الحاكم بإتباع رأي معين سواء كان رأي الأغلبية أو الأقلية، فإنه لا يمنع المسلمين من وضع أنظمة وقواعد للحكم في كل زمان ومكان يلتزم بموجبها الحكام بالخضوع لرأي الأغلبية في بعض المسائل (2).

الرد: إن هذا القول إنطلق من منطلق خاطئ، فالإسلام يلزم الحاكم بالخضوع لرأي الأغلبية في بعض المسائل والدليل على ذلك السنة النبوية كما سوف نرى كما أن للإجماع حجية معترف بها في الشريعة الإسلامية، وعليه فلا يعد ذلك من الأمور التفصيلية المتغيرة حسب الزمان والمكان.

ثانيا: رأى أهل الشورى ملزم على الحاكم هب بعض المفسرين القدماء والكثير من الفقهاء والباحثين المحدثين إلى القول بإلزامية الرأي

(1) د. متولي: مبدأ الشورى. ص 33.32

(2) د. متولي: نفس المصدر، ص 17. المليجي: مبدأ الشورى ص 136 بابللي: الشورى في الإسلام. بوضياف: الهيئات الاستشارية، ص 61.

ص 79.