النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ١١٥111
جـ ـ إن القول بالإحتكام فقط إلى الرأي الأصح الأقرب للحق دون الأخذ في الإعتبار لكونه صادر من أقلية أو أغلبية، يطرح إشكالية جوهرية وهي: ماهو المعيار الذي نعتمده لنقول أن هذا الرأي أو ذاك هو الأصح والأصوب، خاصة في الأمور الدنيوية المتغيرة المتقلبة حسب الظروف والأمكنة.
د - إن الإحتكام لرأي الأغلبية هو الوسيلة الوحيدة والمعيار الأساسي الذي يضمن نسبيا الوصول إلى الصواب والحق، وهذا ما توصلت إلى تقريره الأنظمة الديمقراطية التي تسود العالم المعاصر.
هـ ـ إن الإسلام يوجب على أهل الشورى أن يخلصوا لله في مشورتهم ويترفعوا عن الميول والإعتبارات الشخصية والعصبية والمحاباة، وأساليب الغش، وأن يبدوا آرائهم مجردة لله ولخدمة الصالح العام للأمة، وفي إعتقادنا فإن هذا الضابط الأخلاقي كفيل لحماية الأغلبية من الوقوع والخطا أو محاباة السلطة أو الدفاع عن المصالح الشخصية، خاصة إذا وضعت ضوابط ملموسة لمراقبة مدى التزام أهل الشورى بهذه الصفات الأخلاقية.
(3) إن الإجماع في الإسلام ما هو إلا مبدا الخضوع للأكثرية، فطبيعة الشريعة الإسلامية باعتبارها نظاما مرنا صالحا لكل زمان ومكان تتطلب دورا أساسيا للعقل الجماعي في الإجتهاد سواء لتفسير النصوص الشرعية أو الإستنباط الأحكام الشرعية لمعالجة المسائل المتجددة والمتغيرة، وهو ما يسمى بالإجماع، ويعد الإجماع من المصادر الأساسية للشريعة الإسلامية. وقد عرفه جمهور الفقهاء أنه: إتفاق المجتهدين من أمة محمد (ص) بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي >> (1).
غير أن الفقهاء وعلماء الأصول أختلفوا حول مفهوم الإجماع، بمعنى هل يقصد به إتفاق كافة المجتهدين إطلاقا دون وجود معارضة أم هو إتفاق أغلبيتهم، لتعذر حصول الإجماع المطلق، فرأى فريق منهم أن الإجماع المطلق يمكن أن يحصل وقد وقع فعلا في عصر الصحابة في بعض الأحكام الدينية الخاصة بالميراث، بل إنه ممكن التحقيق في عصرنا الحالي بواسطة جمع المجتهدين في مؤتمرات للإتفاق على الأحكام الشرعية، حول بعض القضايا المستجدة، وإصدارها في شكل موحد، بينما ذهب فريق من فقهاء المعتزلة والشيعة إلى إعتبار رأي الأكثرية إجماعا إذا كان المخالفون أقلية لاستحالة إتفاق الفقهاء نظرا لتفاوت العقول والآراء وإختلاف البيئات والمجتمعات (2). وهذا ما ذهب إليه أيضا أغلبية الفقهاء والكتاب المعاصرون) (3)، وهو ما نؤيده، بناء
على الإعتبارات التالية:
(1) د. الزحيلي: الوسيط في أصول الفقه الإسلامي، ص 42 بدران أبو العينين: الشريعة الإسلامية، ص. 200. (2) د شلبي: أصول الفقه ص 169 وما بعدها.
(3) د. الزحيلي: نفس المصدر، ص. 134.