النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ١١٦

112

أ) - إذا عتبرنا مخالفة الأقلية مانعا لإنعقاد الإجماع، فإنه يستحيل حصول هذا الإجماع - الذي يمثل صورة مثالية، لأنه في كل الأحوال لا بد من وجود مخالفة ولو من واحد أو إثنين لرأي الجماعة، سواء كان ذلك سرا أو علانية، مما يؤدي إلى تعطيل دليل شرعي أساسي لإستحالة تحققه.

ب) - إن الإجماع بالمفهوم المنصوص عليه في كتب أصول الفقه مستحيل التحقق في العصر الحالي المتميز بالسرعة والتعقد، لإتساع رقعه أرض الإسلام وكثرة المجتهدين وتفرقهم في البلدان، وإختلاف البيئات والمدارس والآراء، وغير ذلك من المشاكل التي تحول دون تحقق الإجماع بالصورة التي كان يتم فيها في عصر الصحابة الأولين وعليه وتأسيسا على ما سبق، فإن الإجماع الذي يعد دليلا شرعيا أساسيا في الشريعة الإسلامية ما هو في الحقيقة الامبدا الخضوع للأغلبية، غير أن الفقهاء وعلماء الأصول حصروا مجال تطبيقه في القضايا والمسائل الفقهية وفي فئة المجتهدين، دون أن يحاولوا أن يصيغوا منه مبدا دستوريا في الحكم، وبعد قول النبي (ص): "لا تجتمع أمتي على ضلال" دليلا على إلزامية إستشارة الأمة جمعاء في القضايا الهامة والخطيرة، وعلى وجوب مبدا الخضوع لرأي الأكثرية في الإسلام، ما لم يكن هذا الرأي مخالفا لنص شرعي قطعي.

(4) إن القول بجهل الأغلبية من الشعب وعدم نضجها ليس مبررا لإقصاء إرادتها، بل إن ذلك يلزمها أكثر بأن تتحمل مسؤوليتها في تسيير شؤونها وتقرير مصيرها، وتتعلم تطبيق مبدأ الشورى الذي أمرنا به الله، ولا يمكن أن تتعلم ذلك إلا بالممارسة والخطا، والإستفادة من التجارب، فإذا صدر رأي الأغلبية وترتب عنه ضررا على الأمة، فإن تلك الأغلبية ستستفيد لا محالة من خطاها وتعدل رأيها.

(5) إن القول أن الحاكم في الإسلام يعد وكيلا عن الأمة بتفويض شامل من الشعب، لا يتعارض مع القول بإلزامية رأي الأغلبية من أهل الشورى عليه، بل إن الوكالة المفترضة التي تربط الحاكم بالأمة تقتضي أن يعمل بإرادتها ورغبتها وتوجيهها، لأن الرأي الجماعي للأمة أقرب إلى الصواب من رأي الحاكم (1).

النتيجة:

لقد وفق أصحاب الإتجاه الثاني فيما ذهبوا إليه من لزوم رأي الأغلبية لأن حججهم تقوم على أسانيد شرعية مؤسسة وأدلة عقلية مقبولة، لذلك فنحن نؤيدها، غير أن النقد الجوهري الذي يوجه إلى أصحاب هذا الرأي هو عدم تحديدهم لطبيعة الموضوعات التي يتم فيها إتخاذ القرار بالإستناد إلى رأي الأغلبية، وتلك التي يكون فيها للحاكم الإختيار بين الآراء وإتخاذ القرار فيها حسب مايراه، لأنه من المستحيل إخضاع البث في كافة القضايا والمسائل إلى مبدإ الأكثرية، إذ هناك من المسائل

(1) العربي: نظام الحكم. ص 95 بوضياف: الهيئات الإستشارية: ص 59