النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ١١٧

113

ما يحتاج إلى السرعة أو الاختصاص، وهناك ما يعد من الأمور البسيطة التي لا تحتاج إلى مشورة، وعليه فلا بد من تقسيم الموضوعات والمسائل في هذا الصدد حسب رأينا - إلى نوعين، نتناولها

فيما يلي:

أ) الموضوعات التي يكون فيها رأي الأغلبية ملزما: ويرى د. الخالدي حصر هذه الموضوعات في المسائل التي يتعلق الأمر فيها بالقيام بعمل من الأعمال، بدليل نزول الرسول (ص) عند رأي الأغلبية في غزوة أحد ونزوله عند رأي السعدين في غزوة الخندق (1). غير أن هذا المعيار في رأينا يكتنفه الغموض وعدم الوضوح، كما أنه غير شامل وكامل، إذ يمكن وجود مسائل فنية وتقنية، تتعلق بالقيام بعمل من الأعمال، ومع ذلك فليس من الواجب الخضوع فيها لرأي الأغلبية، كما أن هناك أمورا تنفيذية بسيطة تتعلق بالقيام بعمل من الأعمال لكنها لا تحتاج الإستشارة في شأنها إطلاقا. وعليه نرى تحديد هذه الموضوعات وفقا لمعيار المصلحة العامة والأهمية، فكافة الأمور والقضايا التي تتعلق بالمصلحة العامة للأمة والتي تكون لها أهمية خاصة مثل إقرار السياسة العامة للحكومة، وإنتخاب رئيس الدولة، ووضع الدساتير وتعديلها … إلخ. يجب أن يتم البث فيها وفقا لرأي الأكثرية من أهل الشورى العامة - أي الشعب - أو الخاصة - أي أهل الشورى، ويدخل العمل التشريعي في نطاق هذه الموضوعات إذ يجب على أهل الحل والعقد من المجتهدين الذين يكونون مجلس الشورى أن يصدروا التشريعات والقوانين وفقا لمبدإ الأغلبية تطبيقا لقاعدة الإجماع.

ب) الموضوعات التي لا يعتد فيها برأي الأغلية: ونرى تحديدها في المسائل الفنية التي تتطلب دراسة وخبرة خاصة، بحيث يدلي أهل الشورى الفنية من العلماء المختصين في كل المجالات برأيهم حول المسألة موضوع المشاورة ويكون للحاكم حق إختيار الرأي الذي يراه أصوب، ومثال ذلك الأمور المتعلقة بالاقتصاد والزراعة والمالية والصناعة والتكنولوجيا وغيرها، ويري د. الخالدي أن المسائل التشريعية مما جاء بيانه في الكتاب والسنة، وتفصيله في كتب الفقه ينبغي ألا يخضع تقريرها لمبدإ الأغلبية، إذ يجب ألا يكون إختيار رأي إجتهادي على رأي آخر في مسألة شرعية مبنيا على الأغلبية بل على قوة الدليل (2)،، ويرد على هذا القول أن قوة الدليل لا يمكن قياسها لإختلاف الأدلة والبراهين وتعدد المدارس الفقهية والمذاهب، إذ لكل مجتهد أدلته التي يستقيها من الكتاب والسنة ويرى صحتها وحجيتها، كما أنه لا يوجد معيار دقيق وشامل للتحديد المطلق للإجتهاد الأصح، أضف إلى ذلك أن هذا القول يتعارض مع إعتبار ما للإجتماع من حجية أقوى من رأي الفرد والإجماع كما رأينا هو توافق أغلبية الإجتهادات على رأي معين حول مسألة شرعية، لذلك فهو أقرب إلى الصواب، أما إذا أعطينا الحاكم الحرية في الأخنذا بتنسا الاجتهاد الذي يراه صحيحا، فإنه لا محالة سوف يأخذ باجتهاده الشخصي ولو خالف إجماع المجتهدين وفي

(1) د. الخالدي: نظام الشورى ص 96 وما بعدها. (2) نفس المصدر ص 94.