النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ١٢٩125
ونهب الأموال وجمع الجواري، وتحقيق الأمجاد الشخصية، بل إن منصب الخلافة أصبح يباع ويشترى بالأموال الطائلة بين أفراد الأسرة الحاكمة (1).
(6) إن القول بإجماع العلماء والفقهاء واقرارهم وسكوتهم عن النظام الملكي الوراثي في العصر الأموي والعباسي ليس دليلا شرعيا، لأنه إجماع ناقص، فإذا كان أغلب فقهاء المذاهب الأربعة أقروا بشرعية الحكم الوراثي الملكي السائد آنذاك والتمسوا الأسانيد الشرعية لتدعيمه، فإن الإباضية بقوا متمسكين بالمبادئ الشورية الديمقراطية التي جاء بها الإسلام الحنيف غير معترفين بشرعية النظم الوراثية الأموية والعباسية، وبالتالي فإن إجماع فقهاء المذاهب الأربعة حول هذه المسألة ليس حجة لأنه إجماع ناقص. وفي الحقيقة فإن الإجماع المزعوم لم يكن إجماعا مطلقا، إذ لم يحصل من طرف الصحابة المخلصين والتابعين في المدينة، وإنما من طرف الفقهاء المقربين لبلاط السلاطين الأمويين والعباسيين، أما الفقهاء المعارضين لنظرية التوريث فقد سكتوا خوفا من البطش بهم، إذ يروى أن معاوية بن أبي سفيان، وهو أول من أحدث بدعة توريث الحكم إنتقل إلى المدينة بالمال والجند، وإنتزع رضا الصحابة على عهد الخلافة لإبنه يزيد بالضعط والإكراه والتهديد والوعيد (2).
وبالإضافة إلى ما سبق فإن ظهور النظرية الملكية الوراثية على أيدي فقهاء السياسة الشرعية السنيين، إنما كان في الواقع تكريسا لوضع قائم آنذاك في الممالك الأموية والعباسية، واستغلال السلاطين لمجموعة من الفقهاء لإضفاء صبغة الشرعية على حكمهم الذي استولوا عليه بالقوة، وقد سخروا الكثير من الفقهاء بواسطة وسائل الترغيب والترهيب لخدمة سلطتهم اللاشرعية، وذلك أن سلاطين بني العباس، أخرجوا مسألة الخلافة - بعد أن كانت موضوعا محظورا - لتناقش في المنابر الفقهية ويتم ذلك تحت إشراف الخليفة والمخطط الكبير للخلافة السنية المثالية الوزير "إبن المسلمة"، مما أثر على فكر الفقهاء وجعلهم يقرون بمشروعية العهد كطريقة ثانية لعقد الإمامة>> (3)
>>
ومما يدعم هذا القول ماجاء في مقدمة الأحكام السلطانية للماوردي في شأن الغاية من وضع تأليفه، إذ يقول أفردت لها كتابا إمتثلت فيه أمر من لزمت طاعته ليعلم مذاهب الفقهاء فيما له
(1) يروى أن الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور إشترى منصب الخلافة من ولي العهد بعده عيسى بن موسى، وقد قال هذا الأخير في نص تنازله عن ولاية العهد و"بيعة" للخلافة: قد بعت نصيبي من تقدمه ولاية العهد من عبد الله أمير المؤمنين لإبنه محمد المهدي بعشرة آلاف ألف درهم وثلاثمائة ألف بين ولدي فلان وفلان وفلان (وسماهم) وسبعمائة ألف لفلانة إمرأة من نسائه … .. أنظر: محمد ماهر حمادة: الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعصر العباسي الأول، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979، ص 144
115،
(2) العربي: نظام الحكم في الإسلام. ص 71.
(3) لاغا: الشورى والديمقراطية. ص 64.
<<
د.
حلمي: نظام الحكم الإسلامي. ص 82.81.