النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ١٣٢128
(2) يروى أن الخليفة عمر (ر) لما نقل له أصحابه قول بعض الناس و قد مات أمير المؤمنين لقد بايعت "فلانا إنتفض غاضبا وقال إني لقائم العشية في الناس فمحذرهم من هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوا الناس أمر هم (1) ويدل هذا على وجود مبد دستوري، مفاده حق كل فرد من أفراد الأمة في المشاركة في إختيار الخليفة، ومن حاول إنكار هذا الحق فهو غاصب
لحق الأمة بكاملها.
(3) إن "أهل الإختيار" الذي يفترض فيهم أن يكونوا من الفقهاء النزهاء وأهل الرأي، غالبا ما يخضعون لضغوط وإغراءات السلطان، فينفذون وصيته دون مراعاة للشروط الشرعية اللازمة وهذا ما حصل كثيرا في التاريخ الإسلامي.
4) لقد اختلف الفقهاء حول عدد أهل" "الإختيار" الذي تنعقد به الخلافة، حتى ذهب بعضهم إلى أن عددهم إثنان قياسا على عقد النكاح، أو واحد كما قال بذلك الإمام الشافعي (2)، مما أدى إلى تكريس الإستبداد والحكم الفردي ودعم فكرة توريث الحكم في الممالك الأموية والعباسية، فإذا أخذنا بقول الشافعي مثلا، فإن البيعة تنعقد بين شخصين، الأول هو أحد الفقهاء - ولا يمنع أن يختاره السلطان بنفسه - والثاني هو الخليفة الجديد الذي أوصي له، ولا شك أن هذه الصورة تمثل النظام
الإستبدادي المطلق بعينه المرفوض شرعا وعقلا، والذي يتناقص مع النظام الشورى الإسلامي.
(5) إن الخليفة في الإسلام لا يستمد مشروعيته ومركزه من صفاته الشخصية، بل من إرادة الأمة المتمثلة في إختيار الجماهير بواسطة البيعة العامة، والدليل على ذلك سنة الخلفاء الراشدين كما سنرى، فكيف يكون العهد بالوصية ملزما للأمة بكاملها، وهو صادر عن الإرادة الفردية لشخص الخليفة السابق الذي يفتقد هو نفسه للشرعية، لأنه آلت إليه الخلافة بنفس الطريقة أو استولى عليها بالقوة والغلبة.
(6) إن أصحاب هذه النظرية أعطوا للخليفة حق الإختيار بين طريقة التوريث وطريقة الشورى في تعيين الخليفة، وهي وسيلة ذكية للتهرب من الأسلوب الشوري، لأن ذلك يعني أن طريقة الشورى لا تطبق إلا إذا تكرم بها أحد الخلفاء أو قبلت بها الأسرة الحاكمة، وتنازلت عن حقها المزعوم في احتكار الخلافة، وهذا ما لم يحصل أبدا كما يدل التاريخ على ذلك.
(7) لقد حاول العديد من الخلفاء السنيين العودة بالنظام الإسلامي إلى الحكم الشوري، مثاله
(1) الطبري: تاريخ الرسل والملوك. ج (3) ص 204. أبو العباس أحمد شهاب الدين القسطلاني: إرشاد الساوي لشرح صحيح البخاري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ج (10). (2) الماوردي: الأحكام السلطانية ص 7. د. .. الطماوي: السلطات الثلاث ص 371. رشيد رضا: الخلافة. ص 40.
ص 19.