النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ١٤٠136
غير أن مفهوم الشورى عند الخوارج في هذه المرحلة، كان مفهوما ضيقا ومحدودا، لا يتطابق مع مبدإ المساواة المطلقة، فإن كان هؤلاء يطالبون بعدم إستبداد قريش بالخلافة، فإنهم كانوا يعتقدون كغيرهم بحصرها في الجنس العربي دون سواه، حيث جاء في تاريخ الطبري: أن المطرف بن المغيرة بن شعبة والي الحجاج على المدائن حاول أن يتعاون مع زعيم الخوارج شبيب بن رفاعة، فجرت بينهما مراسلات حول الخلافة وقضاياها، فبعث "شبيب" بوفد إلى المطرف ليجيبه على ما سأله من التسليم للسلطة القائمة والتشاور معها، ونبذ العنف، فقال: وإن تركنا حقنا الذي خرجنا له، ودخولنا فيما دعوتنا إليه من الشورى خطيئة وعجز، ورخصة إلى نصرة الظالمين، ووهن لأنا لا نرى قريشا أحق بها من غيرها من العرب >> (1). فلم يقل "من غيرها من المسلمين" رغم أن العديد من الأمم كالفرس والروم وغيرهم كانت قد دخلت في الدين الجديد
آنذاك (2).
>>
وقد أدت الظروف السياسية التي كانت سائدة في شمال إفريقيا والمتسمية بتجاوزات وتعسفات الولاة الأمويين في حق السكان، كالمبالغة في فرض الجزية والسلب والنهب … إلخ. إلى إثارة معارضة قوية لدى الشعوب الأمازيغية الحديثة العهد بالإسلام، مما هيا ظروفا مواتية لإنتشار الحركة الخارجية بكل مذاهبها خاصة مذاهب "القعدة" المعتدلة التي أنشقت منها وهم الإباضية والصفرية وقد كان إعتناق الأمازيغ للمذهب الإباضي وتبنيهم للمبادئ الشورية في الحكم التي يدعو إليها، والتي تتطابق مع الروح الديمقراطية وحب الحرية التي طبعوا عليها، عاملا حاسما في تطور مفهوم الشورى والمساواة المحدودة الذي عرف بالمشرق، وبلوغه مرحلة الإكتمال والنضج، بإقرار المساواة الشاملة بين كافة الأجناس في تولي الخلافة وقيادة المسلمين على أساس التقوى والكفاءة دون أي شرط لإنتماء عصبي أو عرقي. وفي الحقيقة فإن إنتشار المذهب الإباضي بشمال إفريقيا ساهم إلى حد كبير في إنتشار الإسلام وإعتناق البربر له عن إقتناع (3)، لأنهم وجدوا فيه ما يتطابق مع طموحهم وامالهم في العدل والمساواة، والرجوع بالإسلام إلى طهارته ونقاوته.
(1) الطبري: تاريخ الرسل والملوك ج (6)، ص. 284. (2) ويقول الدكتور يحي هويدي في هذا الصدد: <<إنه إنصافا للحقيقة، علينا أن نقرر أن الخوارج وإن كانت المبادئ التي قدموها لنا ذات صبغة ديمقراطية، إلا أنهم كانوا متمسكين بعروبتهم إلى الحد الذي جعلهم يحتقرون الموالي وينفرون منهم>>. ومن ذلك أنه يروى أن أحد الموالي (العجم (المسلمين) خطب إمرأة خارجية، فقال لها الخوارج "فضحتنا". أنظر: د. يحي هويدي: تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، مكتبة النهضة الإفريقية، 1966، ج (1) ص.28.
Chikh EL BAKRI : "Kharidjisme Berbère، quelques aspects du Royaume rukumide" in Annales de (3) l'intitut d'etudes orientales، Faculte des lettres de l'universite d'Alger، Tome XV، Annee، 1957، Edition la tupo-lith et Jules carbonel، Alger، P. 106