النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ١٩٨

194

(1) اشتهار الإمام عبد الرحمان ابن رستم بسياسته العادلة، حتى وصلت أخباره أفاق العالم الإسلامي (1). وبصفاته الأخلاقية المثالية مثل تقشفه وزهده وتواضعه الذي جعله يعمل بيديه ويلطخ جسمه بالطين، وهو إمام دولة عظيمة بلغت مرحلة الفتوة والقوة، وانتقلت من طور النشوء والتأسيس إلى طور الإزدهار، إذ رغم التقدم الاقتصادي وانتشار العمران والرفاهية "بتيهرت فإن عبد الرحمان لم يتغير في حالته المعيشية المتواضعة ولا تبدلت سيرته، وهذا ينفي عنه التكبر أو استغلال منصبه لنهب الأموال، ويجعله بعيدا عن مظاهر الملوكية والإستبداد وتذكرنا هذه الروح الشورية التي يتمتع بها عبد الرحمان بالسيرة النبوية الشريفة، كما. تجعل منه مثالا: للإمامة العادلة التي يناشدها الإباضية.

(2) إن الإمام عبد الرحمان لم يكن يتخذ القرارات الهامة بمفرده، بل كان يشاركه في الحكم "مجلس للشورى" يتولى النظر والبث في أمور الدولة المختلفة.

(3) إن مجلس الشورى كان يضم ممثلي الشعب، بمعنى أن له طابع تمثيلي نيابي، إذ كان يتشكل من زعماء القبائل الأمازيغية المكونة للدولة الرستمية مثل زناته مكناسة، مطماطه، نفوسة، زواغة، لواثة هوارة، لماية، مزاته وغيرها (2). وكان لهذا المجلس بالإضافة إلى وظيفته الإستشارية وظيفة تنفيذية، إذ أن أعضائه وهم زعماء ووجهاء القبائل والمجموعات هم الذين يتولون تنفيذ القرارات الصادرة بالأغلبية من مجلس الشورى، أو الصادرة مباشرة من الإمام على مستوى

قبائلهم ومجموعاتهم.

-

ولاشك أن هذا المجلس كان يضم إلى جانب ممثلي القبائل العديد من الفقهاء والعلماء الذين يتولون النظر حول شرعية العمل المزمع إنجازه، ويعطون وجهة نظر الدين فيه، ويعملون للحفاظ على المبادئ الإباضية. ونلاحظ أن هذا المجلس يشبه إلى حد ما مجلس شورى النبي (ص). و مجلس شورى الخليفة الراشدي عمر ابن الخطاب (ر) من حيث التكوين، والعمل، حيث يضم فئة زعماء القبائل، وفئة الفقهاء وعلماء الدين.

(4) إن "مجلس الشورى كان يعقد جلساته بالمسجد الكبير بمدينة "تيهرت" وذلك بعد الصلاة، إذ ينصرف عامة الناس ويبقى وجهاؤهم وممثليهم، وهذا تقليد أصيل مستمد من سيرة النبي (ص)، والخلفاء الراشدين من بعده، حيث جاء في الآية الكريمة:

(1) إذ يقول ابن الصغير المالكي إن عبد الرحمان بن رستم لما ولي من أمور الناس شمر ميزره وأحسن سيرته، وجلس في مسجده للأرملة والضعيف، ولا يخاف في الله لومة لائم، فطار ذلك في أطراف

الأرض مشارقها ومغاربها " تاريخ الأيمة ص 28. وأنظر الشماخي: سير ص 140.

(2) نيوز: تاريخ المغرب الكبير /3/ ص 248.