النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ٢٠١

197

موظفي الدولة والمقربين للإمام ومستشارية الإداريين، أم أنه يتشكل من ممثلي القبائل والعلماء والفقهاء. بمعنى هل هو مجلس تمثيلي للأمة، أم انه مجلس إستشاري متكون من كبار الإداريين.

- إن طريقة تعيين أبا عبيدة الجناوني على طرابلس هي طريقة ديمقراطية أصيلة، لأنها تسمح بإعطاء الرأي للعلماء والفقهاء والجماهير لتعيين الوالي الذي يسير شؤونهم من منطقتهم، وأن يكون ذلك على أساس معيار الكفاءة العلمية والخلقية، كما يتم إنتخابه بالإجماع، ثم يأتي قرار تعيينه من الإمام، كتنفيذ للإرادة الجماعية. وبالإضافة إلى ذلك فإن إختيار الوالي من نفس المنطقة التي يولى فيها، يؤدي إلى الإنسجام بينه و بين الرعية، وصلاح قراراته ونضجها لقربة من تلك البيئة ومعرفته بأحوال الناس.

وبناء على هذه الملاحظات نرى أن الإمام عبد الوهاب قد اتبع شورى التسيير في سياسته، غير أن ذلك يقتصر على الفترة الأولى من حكمه، إذ يبدو أنه تحول تدريجيا إلى سياسة الملوك منذ قتاله للمعارضين من النكار، وانتصاره عليهم، ونستدل على ذلك بثلاث عناصر هي:

(1) قول ابن الصغير يعد ذكر فتنة النكار: ثم إشتد أمر عبد الوهاب وقوى عليه وانتقل من حال الإمامة إلى حال الملك >> (1)، ويدل ذلك على تحول خطير في طبيعة نظام الحكم الرستمي من حال الإمامة التي سار فيها عبد الرحمان المتسمة بالشورى وإشتراك العلماء وممثلي القبائل في الحكم، والزهد والتقشف، إلى حال الملوكية المتسمة بالإستغناء عن رأي العلماء والجماهير، وظهور البلاط الملكي ومظاهر الرفاهية والإستعلاء. إذ يبدو أن جماعة من أصحاب القصر أصبحت هي التي تساعد الإمام في مهامه عوض مجلس الشورى الذي تضاءل دوره شيئا فشيئا، رغم بقائه موجودا تحت إسم "الشراة".

11

مع

(2) ما يذكر من أن عبد الوهاب بلغه خبر مصاهرة وقعت بين قبيلة هوارة" وإحدى القبائل الأمازيغية القوية التي كانت تستقر بجانب "تيهرت"، فخاف أن يؤدي إتحادهما إلى سقوط ملكه، فأسرع إلى عقد الخطبة الفتاة موضوع المصاهرة، ليجلب القبيلة إلى جانبه، فأفشل هذا الإتحاد المحتمل بينهما، مما أدى إلى ثورة هوارة عليه (2). فإن صح هذا الخبر فإنه يدل على أن عبد الوهاب قد أصبح منذ أن هزم إبن فندين ملكا قويا، لا يهتم إلا ببقاء سلطانة وأحتكار الحكم في أسرته، وإن اقتضى ذلك إتباع مناورات ووسائل غير شريفة، وقد قال عبد الوهاب أثناء قتال هوارة" الثائرة عليه لقد استحق أفلح الإمامة وهذا يؤكد مما لا يدع مجالا للشك نيته في جعل

(1) ابن الصغير:: تاريخ الأيمة. ص 44.

(2) أنظر: أبا زكرياء: سير. 86. الدرجيني: طبقات ج (1) ص 50، 51. الشماخي: سير. الباروني: الأزهار. ج /2 / ص 102. - مختصر تاريخ ص 39.

145