النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢198
الإمامة حكر اعلى الأسرة الرستمية، وربما كان ذلك بتأثير حاشيته ومقربيه الذين شجعوه على مقاتله النكار.
(3) إن معارضة إبن فندين لحكم عبد الوهاب، لم يكن الغاية منها في الحقيقة أن يشركه في الحكم، أو أن يؤثر اليفرينيين بالمناصب العليا بالنظر إلى أن أمه يفرينية، كما تدعي ذلك بعض المصادر الإباضية (1)، وإنما نعتقد أن المعارضة اليفرينية التي توسعت بعد ذلك في شكل حركة النكار، ظهرت بسبب رفض عبد الوهاب تنصيب مجلس الشورى وإشراكه في إتخاذ القرارات وفقا لمطلب ابن فندين وجماعته التي كانت تتخوف أن يتحول الحكم الشورى الديمقراطي الرستمي إلى نظام ملكي وراثي. وقد أفتى علماء الإباضية المشارقة مثل الربيع إبن حبيب ووائل إبن أيوب وغيرهم بصحة الإمامة وبطلان شرط إرتباطها بمجلس الشورى، حين أرسل إليهم المتخاصمون يستفتونهم في هذا الخلاف (2). ولا شك أن هذه الفتوى تتعارض مع السنة النبوية والراشدية، بخصوص وجوب إشراك "أهل الشورى" في إتخاذ القرارات الهامة، كما كان يفعل الرسول (ص) والخلفاء الراشدين من بعده كما تتعارض مع مقتضيات الحكم الشوري الديمقراطي، وربما كانت فتوى هؤلاء من إيحاء تأثير الدولة الأموية والعباسية. وفي الواقع فإن اين فندين كان يمثل المعارضة الديمقراطية المتطرفة التي كانت تحاول المحافظة على النهج الشوري الديمقراطي تخوفا من إحتكار الأسرة الرستمية للحكم بعد أن بلغت الدولة الرستمية جانبا كبيرا من الإزدهار والرخاء الإقتصادي، وظهرت بوادر الملوكية والترف لدى الإمام الجديد. وفي الحقيقة فإن هذا التخوف أثبتت صحته الأحداث التي تعاقبت مع تطور الدولة الرستمية، وعليه فإن المعارضة الديمقراطية البربرية كانت في مواجهة الأسرة الرستمية المالكة التي تحالفت مع بعض علماء الإباضية المشارقة المتأثرين بالفكر السياسي السني العربي في نموذجة الأموي ولا العباسي،
النتيجة رغم أن الإمام عبد الوهاب هو الذي أحدث بدعة التوريث في الحكم الرستمي فإنه قد إلتزم إلى حد ما في بداية حكمه بالمبادئ الشورية في التسيير، غير أن صراعه ومواجهته للمعارضة اليفرينية الديمقراطية، وإنتصاره الساحق عليها، أدى إلى تقوية حكمه وإتخاذه بعض مظاهر الملوكية. ورغم ذلك فإن الحكم الرستمي لم يتغير في طبيعته وجوهره، إذ كان لأهل الشورى دورا هاما في الحياة السياسية، ولم يكن الإمام يتمتع بسلطة مطلقة على الرعية.
ثالثا: الأيمة الرستميون الأخرون 211 هـ / 296 هـ:
إذا كان كافة الأيمة الرستميين الذين تعاقبوا على الحكم بعد الإمام عبد الوهاب، تولوا الإمامة اسطة نظام التوريث والوصية، الذي أبتدعه عبد الوهاب، والذي يعد خروجا وانحرافا عن نظام
بو
(1) الشماخي: سير ص 148.147. أبا زكرياء: سير. ص 91.90. الباروني: الأزهار جـ / 2/ ص
107
(2) ابن الصغير: تاريخ الأيمة ص 45. ويبدو أن هذه القبائل كانت تسعى لتحقيق تحالف لقلب نظام الحكم الرستمي أنظر: اين تاويت: دولة الرستميين أصحاب تيهرت. ص
114