النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ٢٠٣

199

شورى الإختيار عند الإباضية، فإن الحكم الرستمي لم يتغير ويتبدل في جوهره وأركانه الأساسية من حيث كونه نظام شوري ديمقراطي، إذ كان يقوم على جمله من المبادئ الدستورية الشرعية التي حافظت على طبيعته الشورية. بمعنى أن الرستميين وإن كانوا لم يلتزموا بشورى الاختيار بعد إمامة عبد الوهاب، فإنهم قد التزموا إلى حد كبير بشورى التسيير، وهذه الأخيرة هي من الأولى لأنها تتعلق بإشتراك الشعب أو ممثلية في تسيير شؤون الحكم ببصفة مستمرة، وبالتالي فإن إنتفاء شورى الإختيار يعد أقل ضررا من إنتفاء شورى التسيير، والنظام السياسي يعتبر شوريا ولو انحصر فيه تطبيق الشورى في تسيير الحكم فحسب، وقد رأينا أن الإباضية يعتبرون الإمام شرعيا إذ إلتزم بالمنهج الشوري في ممارسة الحكم، حتى ولو كان قد عين بطريقة غير شورية (1).

والمصادر التاريخية لا تذكر عن فترة حكم الأيمة الذين تعاقبوا على السلطة بعد عبد الوهاب سوى الفتن والحروب التي خاضوها، إلا أننا يمكن أن نستشف من خلال هذه المصادر وجود جملة من المبادئ الدستورية الشرعية، التي تؤكد قولنا على أن الرستميين التزموا بنظام شورى التسيير في أغلب فترات حكمهم، رغم أنه في أواخر أيام هذه الدولة تضاءل دور "مجلس الشورى" في الحياة السياسية، ولم يعد للعلماء والفقهاء وممثلي القبائل أي دور في مراقبة الإمام ومشاورته، فكان الإمام يعتمد - بسبب إنعدام الجيش - على التحالفات مع القبائل القوية للمحافظة على سلطته، ثم أنه بعد ذلك فقد تدريجيا الكثير من صلاحياته بسببين الفتن والصراعات العصبية والمذهبية التي أدت

إلى ضعف هذه الدولة ثم إنهيارها أمام الغزاة. ويمكن تلخيص هذه المبادئ الدستورية فيما يلي:

رار إن الإمام في الدولة الرستمية لم تكن سلطته مطلقة على جميع أفراد الدولة، كما يدعى ذلك بعض الكتاب (2)، بل كانت سلطته مقيدة ومراقبة من طرف هيئتين دستورين هما الهيئة الدينية التي تشكل من علماء المذهب كبار فقهاء الإباضية أي (جماعة الشراة وهذه الهيئة هي التي تعطي صفة الشرعية للقرارات الصادر عن الإمام حتى تكتسب قوتها الإلزامية المعنوية والحرص على عدم مخالفتها للمبادئ الإباضية، والأصول العامة للمذهب، كما تدافع عن مصالح الفقراء، وهذه الهيئة هي نفسها التي نجدها في نظام المدينة المزابية باسم حلقة العزابة، والهيئة المدنية التي تتشكل من زعماء القبائل والأعيان وهي تمثل مصالح القبائل وإرادتها، كما تتأثر أحيانا بطبقة الأغنياء ورجال المال والنفوذ، ونفس هذه الهيئة توجد في إطار المدينة المزابية باسم مجلس امقرانن" المتشكل من ممثلي العشائر وأعيان البلدة. والإمام في الدولة الرستمية الـ تكن له

(1) يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 461. (2) يدعى العديد من الكتاب أن الإمام في الدولة الرستمية يملك سطلة مطلقة على كافة أفراد الرعية ولا يحدها

حد إلا الشريعة الإسلامية: 293. CUPERLY . introductin a l'etude de l'ibadisme P