النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦202
القبائل على الحكم، وضعف مركز الإمام، بحيث أصبح تحت سيطرة ونفوذ القبيلة الأقوى التي
تدعمه وتساند حكمه.
الأديان
جـ/ التسامح والحرية الفكرية والعقائدية: ويعد هذا المبدأ ركنا جوهريا لقيام أي نظام ديمقراطي شوري، وقد كان يسود في الدولة الرستمية تسامح كبير مع المذاهب الأخرى المخالفة، ومع السماوية الأخرى. ورغم أن الإباضية عانوا الكثير من المضايقات والقهر في القيروان، فإنهم كانوا على العكس، متسامحين إلى أقصى حدود التسامح مع المسلمين السنيين في تاهرت، تحت الحكم الإباضي، ففقهاء المذاهب الأربعة لم يكن لهم فقط حق التعبير عن أرائهم، بل إنهم يستدعون إلى عقد مناظرات علمية لمناقشة حججهم في جو من الحرية والشورى والإحترام، إذ كانت تيهرت تعج بفقهاء المذاهب المختلفة لما وجدوه من جو الحرية الدينية والفكرية، كما شمل هذا التسامح أيضا المسيحيين الذين كانوا بتيهرت بحيث لم يضايق هؤلاء ولم يضطهدوا أبدا (1).
وقد أعطى الأيمة الرستميون أمثلة فريدة في التسامح مع المذاهب المختلفة، إذ لم يكن هؤلاء يقمعون المعارضين الفكريين بالقوة والسيف كما كان شأن الدولة الأموية والعباسية، وإنما كانوا يقار عونهم بالحجة والدليل وعقد المناظرات، فإن غلبوا وأصروا رغم ذلك على إثارة الفتنة والبلبلة، قاتلوهم لدحر تمردهم والمحافظة على الإستقرار العام، وعلى السلطة الإباضية. وقد واجه الإمام عبد الوهاب تمرد الواصلية من المعتزلة بأن دعاهم للمناظرة الفكرية والمناقشة الفقهية، فلم يجهز لهم جيشا لسحقهم، بل فسح لهم المجال لعرض أفكارهم ومناظرتهم، فلما أفحموه وغلبوه لم ينتقم منهم بالسيف - رغم ما يملك من قوة - وإنما بعث في طلب العلماء من جبل أنفوسة، فعقدت مناظرة فقهية ثانية غلب فيها الإباضية المعتزلة. فلما برز المعتزلة للقتال، برز لهم جيش الدولة وهزمهم (2). كما نجد أن الإمام أفلح من بعده تعامل مع المعارض نفاث بن نصر بنفس المبدإ الذي اتبعه أبوه عبد الوهاب، القاضي باحترام حرية الرأي (3) وعليه فالحكم الرستمي كان يعترف بالتعددية سياسية، كما أن حرية التعبير كانت مضمونة فيه طالما أنه لم
الفكرية والـ تكن توجد قوة عسكرية ضخمة تمارس القهر المادي لفرض المذهب السائد في المجتمع. وقد ذهب الحكام الرستميين بعيدا في تطبيق مبدا التسامح الفكري حيث عين العديد من غير الإباضية في مناصب حساسة في الدولة (4). ومن الواضح أن المبالغة في إطلاق الحرية الفكرية والسياسية كان سببا في تفكك الدولة وضعف السلطة الرستمية ثم إنهيارها. لأن
(1) بن تاويت: دولة الرستميين. ص 109
(2) أنظر تفاصيل ذلك: أبا زكرياء: سير الأيمة. ص. 108 وما بعدها. (3) الحريري: الدولة الرستمية. ص 147.
ده
MERGHOUB le developpement politique p. 22.26
EL BAKRI : le Kharidjisme berbere p. (4) 86.96.108