النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤230
ويتضمن هذا النص أحسن تعبير عن شخصية العزابي الذي توكل له السطلة في المجتمع المزابي، فهو شخص طاهر بدنيا من أموال الناس ومن الخطايا، وهو طاهر القلب نظيف السريرة متواضعا صادقا … إلخ. لكن العزابي حتى يبلغ هذا المستوى من الأريحية، فإنه يجب عليه أن يعتزل ملاهي الدنيا، وأن لا يشتغل بملذاتها ومتعها، وذلك بأن يصرف أغلب وقته في خدمة الدين وخدمة المجتمع، وأن يعيش بالمال الحلال الذي يكتسبه من عمل يده.
جمع
ب - إعتزال مشاغل الدنيا ومتاعها: بمعنى أن يكون العزابي زاهدا في متع الدنيا وملذاتها بعيدا عن إغراءاتها، مطهرا نفسه من أدرانها، وأن لا يصرف أغلب وقته في الإشتغال بأمورها، مثل المال وزيادة الأولاد، وإنما يكرس أيامه للعبادة وتعليم الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يستلزم منه أن: يكون مبعودا عن أهله وأولاده، وعشيرته ( … ) لا يلتفت لأهل الدنيا، ولا يكثر الإجتماع مع أهلها، ولا يوجد إلا في داره أو جنانه وفي المسجد، ويغمض عينيه إلى الالتفات الى مالا يحل له، ويغلق أذنيه الى استماع أهل الدنيا>> (1)
وعليه فإن العزابة هم أهل التصوف والعبادة ونكران الذات، بحيث يجب عليهم الابتعاد عن جميع مواطن الريبة، حفاظا على سموهم الروحي، حتى يكونوا أقرب الى العدل وأبعد من إغراءات النفس الأمارة بالسوء، ومن تأثير المصالح الشخصية. وهذا الإنعزال والتصوف الذي يفرضه عليهم قانونهم هو ضمانة على عدلهم وعدم تعسفهم، لأن كثرة الإنشغال بالدنيا والاختلاط بالعامة والسوقة يمس بمقام العزابة وينقص من هيبتهم من جهة، ويخضعهم الى مختلف التأثيرات والإغراءات من جهة أخرى، مما قد يمس بطهارتهم النفسية ونزاهتهم في إحقاق الحق بين الناس.
(2)
أن يكسب قوته من المال الحلال: بمعنى أن يكون رزقه حلالا طيبا من عمل يديه، ولذلك تقضي التقاليد بأن يتجنب العزابي مهنة التجارة، لأنها قد تغرس في نفسه حب المال والإقبال على متع الدنيا، وتلهيه عن القيام بواجباته تجاه المجتمع، بل وقد تدفعه الى التعامل بالربا والغش لتحقيق)، وعليه يستحسن أن تكون مهنة العزابي هي الزراعة، أو أي عمل آخر يكسب فيه قوة يومه
الربح
(3) ،
(1) عبد الكافي الوار جلاني: سيرة (مخطوط)، ورقة 3.
(2) نلاحظ أن حلقه العزابة بمدينة قرارة التي تضخم عدد أعضائها ليصل الى 39 سنة 1990، عضو فقدت طبيعتها النخبوية الدينية، ولم تعد تلتزم بقانون العزابة التقليدي، وأصبحت تضم الكثير من اصحاب المشاغل الدنيوية مثل التجار والموظفين وغيرهم. أنظر أبو بكر: الشورى. ص.18. حيث يقول واصفا العزابة بمدينة قرارة أنه أصبح
:
لا فرق بينهم والاشخاص العاديين ومنهم من يعمل بالشمال ولا يعود الا في العطل والمناسبات (3) يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، ج (1) ص 1105.
خليفات النظم الإجتماعية. ص 39
<<