النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ٢٤٠

236

والوعظ والإرشاد العام. وقانون سير العزابة الصارم يجعل من هؤلاء رجال سلام ووحدة ورحمة، فهم لا يحملون السلاح، ولا يلبسون إلا البياض، ولا يكثرون مخالطة العامة، ويبتعدون عن الإغراءات المادية الدنيوية، ويكرسون حياتهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم يقومون بذلك بدون أي مقابل مادي أو إمتيازات شخصية: فأهل الحلقة قليل في كثير يبتغون أنفسهم إيمانا لله واحتسابا، يرجون الثواب القيامة>> (1) يوم

والطبيعة النخبوية لهذه الهيئة لا تعني بأي حال من الأحوال الرهبانية التي يدمها الإسلام، وإنما تعني الحفاظ على قدسية رسالتها وعلى هيبتها وكرامتها بإعتبارها حارسة العقيدة والمبادئ الإباضية في المجتمع، والقاسم المشترك الذي يجمع الأفراد والعشائر على إختلاف مصالحهم المادية و مواقفهم السياسية، وذلك مع القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذلك فإن العزابي يجب: أن يكون مجتهدا في حقوق الضعفاء والمساكين، منتصفا من الظالم للمظلوم، قائما بحقوق الأسواق والمجازر وحقوق المدينة وقائما بما ينوب الضعيف والمنقطع عن أهله ونحو ذلك>>. (2) وهذا لأن الإباضية يلزمون في حالة الكتمان القيام بجميع ما يستطاع القيام به من أمور في

حالة الظهور.

الكثيرة،

3 - إن الشرط الذي بمقتضاه يلزم العزابي أن يكسب قوته من عمل يديه، وأن لا يتقاضى لقاء وظائفه أجرا، يتضمن مبدا مثاليا في التضحية ونكران الذات، فالعزابي رغم مسؤولياته ومهامه ورغم مكانته في المجتمع، يجب عليه أن يعيش من عرق جبينه مثله مثل أبسط الناس، حتى يكون مثالا حيا وقدوة في الإعتماد على النفس، ويعمل كغيره من الأفراد لكسب قوته بالطرق الشرعية، وهذا خلافا للحكام في الدولة الحديثة حيث تقترن وظائفهم بإمتيازات مادية مغرية ورواتب كبيرة، مما يجعل تلك المناصب محلا للطامعين، الذين يسعون إليها جاهدين من أجل تحقيق الثراء،، أما مناصب المسؤولية في هيئة العزابة فإن الأفراد يتهربون منها ولا يتقبلها إلا من بلغ

الشخصي،

درجة عالية من التضحية والإيمان.

4 - من الشروط الأساسية في إختيار الشخص لعضوية هيئة العزابة، أن يكون متوسط الحال لا غنيا مترفا ولا فقيرا مدقعا، وهذا يسمح باختيار شخص متوازن ماديا ونفسيا، ليس فقيرا فيطمع في أموال الناس أو تميل نفسه إلى أصحاب الثراء فيخضع لضغوطهم، ولا غنيا فيطغيه ماله ويشغله عن عبادة الله، ويحجبه عن الشعور بمعاناة الفقراء. كما يعني هذا إعطاء السلطة في المجتمع المزابي للطبقة المتوسطة لتحقيق العدل والتضامن بين الأغنياء والفقراء.

(1) عبد الكافي الوار جلاني: سيرة العزابة (مخطوط)، ورقة 3.

(2) نفس المصدر (مخطوط)، ورقة 2