النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٢٤٦242
السلطة يؤدي بالشخص إلى الجري ورائها واستخدام أية وسيلة للوصول إليها وانتزاع إعجاب الناس لتحقيق المجد الشخصي على حساب المصلحة العامة والمرشح لهيئة العزابة يخضع لمراقبة ميدانية صارمة لا يتسامح فيها حتى مع أبسط المخالفات، وهذا يسمح بإختيار الأشخاص الذين بلغوا درجة معتبرة من المثالية الأخلاقية والتنسك. ثم إن العزابي لا يتمتع مقابل مسؤولياته بأية إمتيازات مادية مغرية بل يجب عليه أن يعمل كغيره لكسب عيشه، وهذا يضمن نزاهته وعدله وتقواه. 2 - إن إختيار أعضاء هيئة العزابة لم يوكل للعامة من الشعب لتقرير ذلك حسب هواها، وإنما أوكل إلى الفقهاء وأهل الحل والعقد، وفي ذلك ضمانا على حسن الاختيار، لأن إعطاء هذا الحق للعامة يؤدي إلى إختيار الأشخاص على أساس المظاهر الخارجية البراقة كالشهرة والنسب والمال والمركز الإجتماعي، دون بحث في بواطن الأمور، ولا معرفة بالشخصية الحقيقية للمرشح. 3 - إن قرار إنتخاب العزابي لا يتخد من طرف شيخ العزابة منفردا، بل يجب أن يصدر بالإجماع في جلسه يحضرها كافة الأعضاء، بعد التشاور والتداول الديمقراطي الحر فيكون قبول العضو الجديد طبقا لإرادة الأغلبية المطلقة في الحلقة.
أما بالنسبة لطريقة إختيار شيخ العزابة، فإنها تتطابق إلى حد ما مع طريقة إنتخاب الإمام عند الإباضية، وفقا لنظرية شورى الإختيار، فجماعة الأربعة الكبار يعدون بمثابة "أهل الإختيار" أو مجلس الشورى المصغر المماثل للمجلس الذي وضعه الخليفة عمر بن الخطاب (ر) و المجلس الذي وضعه الإمام عبد الرحمان بن رستم (ر)، وهو يتولى بحث مدى توافر الشروط والمقاييس الشرعية في الشخص لتوليته منصب المشيخة، أما مراسيم تعيين الشيخ فتعد بمثابة البيعة الخاصة لأهل الحل والعقد، غير أنه لا توجد - حسب إطلاعنا - أية مراسيم تعبر عن البيعة العامة للشعب، فبعد إختيار الشخص لمنصب المشيخة يعلن عنه في المسجد أمام الملا، فيعد إقرار الأفراد بهذا التصرف قرينة على رضاهم ومصادقتهم على هذا الإختيار.
ثالثا: المراقبة والعزل: إن الشخص الذي يدخل في سلك العزابة يجب عليه أن يكون قدوة ومثالا للإستقامة والتضحية، ولذلك فهو يخضع لقانون سير العزابة الصارم الذي يحرمه من كثير من لذات الدنيا، المباحة، ويستلزم منه سلوك حياة الزهد والتقشف والتواضع، والحيطة و الإحتراس من كل ما هو محرم، بل من كل ما يمكن أن يؤدي إلى محرم في معاشه ومعاملاته مع الناس، فما يعتبر في غيره خطا صغيرا يعتبر منه خطاً كبيرا، حتى يجعل منه أسوة حسنة لغيره من الأفراد في المجتمع المزابي الإباضي (1)، ويعبز الشيخ أبو عمار عبد الكافي الوارجلاني عن ذلك بقوله: أن من دخل حلقة العزابة فقد أدخل عنقه في الحلقة التي هي كحلقة الحديد وتلزمه أمور كثيرة >>. (2)
(1) يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، ج (1) ص 106. حمو النوري: دور المزابيين. ج (1) ص 158. (2) عبد الكافي الوارجلاني: سيرة العزابة (مخطوط)، ورقة 3.