النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٢٥١247
يشعرون أن أعضائها ينوبون عنهم في التعبير عن تطلعاتهم وإرادتهم، غير أن تطبيق هذا المبد! يكون نسبيا، لأن الأفراد لا يكون لهم حق إختيار نواب عنهم في هذه الهيئة، وإنما يراعى في تشكيل هذه الهيئة تمثيل أغلب العشائر لتحقيق رضا الأفراد وطاعتهم لها، ورغم أن حلقة العزابة لا تنتخب من طرف الشعب وفقا لقاعدة الأغلبية، إلا أنها تحوز على الرضا المطلق للأفراد لأنها تعد تجسيدا لفلسفة المجتمع حول الإمامة، وهذا يعني تحقيق إحدى مستلزمات النظام الديمقراطي وهي رضا الشعب عن السلطة التي تحكمه، وعليه يمكن القول أن هيئة العزابة باعتبارها سلطة محلية تقليدية سلطة مشروعة، وذلك لأن السلطة تكون مشروعة، حسب ما يقرره الفقه الدستوري: إذا ما ارتضاها الأفراد وقبلوا الخضوع لها عن طيب خاطر لأنها تستند إلى مبدإ يقبلونه ويعتقدون ><>< (1). كما أن: السلطة توصف بأنها مشروعة إذا كانت مطابقة للنموذج للذي يرسمه المجتمع للسلطة فيه طبقا لما يسوده من قيم ومبادئ ن >> (2). وهيئة العزابة تشكل تجسيدا لتصور المجتمع
هي
فيه
الإمامة الكتمان طبقا للفكر السياسي الإباضي. (2) من حيث طريقة الإختيار فإنها وإن لم تكن تتضمن إشراكـ أغلبية الأفراد في إختيار أعضاء الهيئة القيادية الدينية - كما يقتضي ذلك النظام الديمقراطي - إلا أنها تضمن إختيار أفضل العناصر وأكفئها من فئة النخبة المختارة، لأن هذه الطريقة تسمح بمعرفة دقيقة وقريبة لسلوك الشخص وسيرته الأخلاقية ومواقفة، وبالبحث المفصل والمتأني حول مدى توافر الشروط الضرورية فيه بعيدا عن أي تأثيرات خارجية أو دعايات إنتخابية.
-
(3) من حيث المراقبة وإمكانية العزل: فإن العزابة ليسوا حكاما متسلطين، وشيخ العزابة ليس سلطانا متجبرا، بل هم - بالنظر إلى قانونهم وتقاليدهم وسيرهم بالعكس من ذلك رجال سلام ورحمة ومحبة، يعيشون حياة روحانية متواضعة، ويخضعون في سلوكهم وفي ممارستهم لوظائفهم إلى نوعين من الرقابة:
رقابة داخلية يمارسها مجلس العزابة نفسه على أعضائه، وتتعلق سوا اء بقانون سير العزابة وما يتصل به من تقاليد وقواعد، أو بالقوانين العرفية السارية على كافة الأفراد في المدينة. والعزابي مهما كانت درجته يتعرض - إذا أرتكب مخالفة إلى مختلف العقوبات التأديبية التي تتراوح بين "البراءة والعزل والإقصاء الأبدي من حلقة العزابة.
-
- رقابة شعبية يمارسها كل أفراد المجتمع طبقا لمبدإ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتأسيسا على ما سبق يمكن القول أن هيئة العزابة لا تستمد شرعيتها مباشرة من الشعب - كما تقتضي بذلك الديمقراطية الغربية - لأن سيادة الشعب محدودة بالشرع وفقا للديمقراطية الإسلامية، وإنما تستمد شرعيتها وسلطتها من كونها موكلة من الشعب وكالة ضمنية ليس لتنفيذ إرادته المطلقة، وإنما للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود الممكن طبقا لما تقتضيه حالة الكتمان عند الإباضية.
(1)
د. حسين عثمان: النظم السياسية والقانون الدستوري، ج (2) ص 121.
(2) نفس المصدر، ص 121.