النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ٢٨٥

281

(2) معيار الإختيار وطريقته: إن إختيار أعضاء هذا المجلس لا يكون بالإنتخاب العام المباشر، وإنما يتم بطريقة الانتخاب الداخلي العفوي، دون التقيد بإجراءات وكيفيات محددة وموحدة في جميع المدن، حيث تتولى حلقة العزابة في كل مدينة إختيار أحسن أعضائها لتمثيل المدينة في هذا المجلس، على أن هذا الإختيار يتم عموما وفق مقياسين أساسين وهما:

أ - الكفاءة العلمية والأخلاقية: يختار لعضوية هذا المجلس الفقهاء وعلماء الدين والقضاة ممن له تضلع بالشريعة الإسلامية والفقه الإباضي، أو خبرة في القضاء، وبإعتبار أن هذا المجلس كان في القديم بمثابة محكمة النقض العليا التي تنظر في الإستئنافات كما كان يتولى إصدار التشريعات المسماة "بإتفاقات وادي "مزاب فإنه كان يستلزم في أعضائه الكفاءة العلمية والأخلاقية العليا لتولي هذه المهمة الصعبة، أما في الوقت الحاضر ونظرا لإنحصار دور المجلس في المجال الإجتماعي ووظيفة الفتوى، فإن هذه الشروط أصبحت أقل صرامة.

ب - التمثيل الجغرافي: بالإضافة إلى الكفاءة العلمية، فإنه يراعى في إختيار أعضاء هذا المجلس مبدأ التمثيل الجغرافي لكافة المدن المزابية بواسطة حلقات العزابة بها، ويعتبرهذا المعيار أساسيا في تشكيل هذا المجلس بحيث لا تنعقد إجتماعاته إلا بحضور كافة الممثلين، وبهذا المعنى يعد هذا المجلس بمثابة برلمان كونفدرالي، إلا أنه مجلس تمثل فيه فقط فئة العزابة من كل مدينة دون فئة العوام، نظرا لطبيعته الفقهية والعلمية، ورغم ذلك فهو يتمتع إلى حد ما بصفة نيابية بإعتبار أن حلقة العزابة في كل مدينة تتشكل وفقا لمبدإ التمثيل المتوازن لمختلف العشائر وبذلك فهي تعتبر واسطة بين العشائر، والمجلس الكونفدرالي الفقهي

أما الحكمة من مرا اعاة مبدإ التمثيل في هذا المجلس رغم طبيعته الفقهية والقضائية فهو تحقيق فاعلية التشريعات التي تصدر منه، وضمان تطبيقها في كافة المدن، ذلك أن هذه التشريعات التي تسمى "إتفاقات وادي "مزاب تستمد قوتها القانونية من كونها تصدر بإتفاق جميع حلقات العزابة بالمدن المزابية طبقا لمبدإ الإجماع الذي يعد مصدرا من مصادر الشريعة الإسلامية. فحضور ممثلي كافة المدن يسمح بدراسة أحوال كل مدينة وتقاليدها وعاداتها، ونقل مطالب ورغبات أهلها، وبالتالي يؤدي إلى إصدار تشريعات تكون صالحة التطبيق في كافة المدن، ومن جهة أخرى فإن مراعاة مبدا التمثيل يضمن حياد هذا المجلس ونزاهته عند النظر في مختلف المسائل والقضايا التي تستأنف أمامه، فلو كان أعضاء هذا المجلس ينتمون في أغلبيتهم إلى إحدى حلقات العزابة، فإن الطعن بالإستئناف ضد حكم شيخ تلك الحلقة أمام هذا المجلس، لا يكون له أي معنى إذ يصبح المدعي، وكأنه أمام نفس الهيئة التي طعن في حكمها، وعليه فمن المعقول والحكمة أن تتشكل هذه الهيئة بالتمثيل المتوازن بين المدن حتى لا تخضع لضغط وسيطرة إحدى حلقات العزابة، وتكون محايدة في حالة معالجتها لخلاف أو نزاع بين مدينتين، كما يسمح ذلك بتحقيق قاعدة الإجماع عند

إصدار الفتاوى والتشريعات.

الشخص