النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ٣٠٧

303

ج) تكون المجالس العائلية أحيانا مجالس تأديبية، فتستدعي الشخص الذي ينحرف عن السلوك القويم والأخلاق، أو يتمرد على قيم وقوانين الجماعة، أو يتعدى على الغير مثل هضم حقوق الزوجة، والإضرار بالجار، وعصيان الوالدين، ونحو ذلك، فتعقد له جلسة أولى لنصحه ونهيه بالموعظة الحسنة، فإن لم يمتثل للنصيحة تصدر في حقه عقوبات تأديبية، خاصة عقوبة التعزيز، أو ما يسمى محليا بـ "قالاها (1)، وتنفذ هذه العقوبة في نفس المجلس. وبذلك فإن للزوجة الحق في الإشتكاء من زوجها أمام هذا المجلس، وكذلك الجار من جاره والأم من ابنها ونحو ذلك.

وقد فقدت المجالس العائلية في الوقت الحاضر الكثير من سلطتها فى مجال التأديب وحل المنازعات نتيجة المنافسة القوية للمؤسسات الرسمية التي أصبحت تتمتع بنفوذ أقوى، وبمصداقية أكثر من هذه المجالس العرفية، لأن قراراتها أضمن للتنفيذ لإستنادها إلى القوة العمومية، وبذلك أصبح الأفراد يلتجئون غالبا لحل خلافاتهم إلى المؤسسات الرسمية مثل مصالح الأمن والقضاء الرسمي لإعتقادهم بفعاليتها وحيادها، ولم تعد قرارات المجالس العائلية الخاصة بقضايا الأحوال الشخصية مثل مسائل الزواج والميراث تتمتع بالقوة الإلزامية والتنفيذية كما كانت في القديم، كما لم يعد لهذه المجالس أي إختصاص في مجال التأديب، على أنها بقيت تقوم بدور معتبر في تنظيم الشؤون الإجتماعية للعائلة مثل تنظيم الأعراس ومساعدة الفقراء والأرامل والأيتام والتكفل بهم

(2)

ثانيا: كيفية إتخاذ القرارات: لا يجتمع هذا المجلس في جلسات دورية، وإنما ينعقد كلما دعت الحاجة إلى ذلك، كما أن أعضائه غير ثابتين ولا مستقرين إذ يمكن أن يتغير ممثلي الأسر حسب الظروف والحاجة، كما أن طريقة إجتماعاته لا تتم طبقا لقواعد وتقاليد ملزمة وموحدة وثابتة، غير أن كافة المواضيع والقضايا تعالج في هذا المجلس بالتشاور والمداولة الحرة والديمقراطية وتصدر في شأنها القرارات بأغلبية الآراء، إذ أن الرأي لا يصدر إلا بعد الإقتناع به من طرف أغلبية المجتمعين، وهذا ما يضمن قوته الإلزامية وسهولة تنفيذه على أرض الواقع، وهذه الأغلبية لا تضبط بأسلوب التصويت المعروف حديثا وإنما تضبط بالمعاينة العفوية.

وكانت الأحكام الصادرة من المجالس العائلية في القديم حول المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية، تحوز على قوة الشيء المقضي به، حيث تكتب في سجل ويشهد عليها وتكون ملزمة،

(1) قالاقا" بمعنى الضرب بالسياط.

(2) وهذا هو سبب إنعدام ظاهرة التسول في المجتمع المزابي. وضئالة الطبقة الفقيرة، لأن هذا المجتمع يقوم على التكافل والتضامن الاجتماعي. بحيث أن كل عائلة كبرى (تدارت) تكون ملزمة بمد يد للمساعدة إلى فقرائها بواسطة

أموال الزكاة والصدقات والهبات لأن وجود فقراء غير متكفل بهم بعد عارا على العائلة التي ينتمون إليها.