النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٣٨34
بين القرى و التجمعات والقبائل لمواجهة الأخطار الخارجية، وجلب المصالح المشتركة، مع كل تجمع بحريته واستقلاله الداخلي - كما سنرى.
احتفاظ
فمع إنشاء المدن المزابية واحدة تلو الأخرى منذ مطلع القرن 5 هـ/11 م ظهرت الحاجة الملحة إلى تحقيق التضامن والتحالف فيما بينها على أساس الرابطة المذهبية والإثنية، وتحقيق وحدة الجماعة الإباضية لمواجهة العدو الخارجي آنذاك، وذلك بواسطة تنظيم الحياة المشتركة بقوانين موحدة تصدر من مجلس تمثيلي لكل المدن وعليه فمن المرجح أن هذا المجلس كان يضم في بداية نشأته رؤساء الأعراش وزعماء القبائل، وكان يسمى مجلس أبا عبد الرحمان الكرثى، وكان يحضره الشيخ عمي سعيد الجربي نفسه (!) على أن للعامل الديني المتمثل في وحدة الإنتماء المذهبي دورا هاما في الحفاظ على استمرارية هذه الكونفدرالية والإنسجام بين أعضائها، إذ سرعان ما أصبح هذا المجلس يضم بين أعضائه بالإضافة إلى العوام الفقهاء والعزابة والعلماء الإباضيين الذين يمثلون أهل الحل والعقد في المجتمع الإباضي وبالتالي فهم أولى بحماية هذا التضامن وبإصدار القوانين والفتاوي لتنظيم الحياة الإجتماعية، طبقا للشريعة الغراء. وعليه فإن المجلس الكونفدرالي نشأ في بدايته كتجسيد للتنظيم الكونفدرالي القبلي البربري، ثم ما لبث أن أصبح يضم إلى جانب العوام من زعماء
القبائل الفقهاء والعلماء الإباضية.
المجلس الفقهي.
لذلك
سمي
بإسمه،
أت،
فإذا تعلق الأمر بالشؤون السياسية، إنعقد المجلس القبلي وإذا تعلق الأمر بالشؤون الدينية إنعقد ا تاريخ ظهور كل من هاذين المجلسين فلا يمكن تحديده إلا على وجه التقريب، وبما أن الشيخ أبا عبد الرحمان الكرثي توفي في منتصف القرن 6 هـ / 12 م (2)، فلا يستبعد أن يكون ظهور المجلس القبلي الكونفدرالي أثناء حياته أو بعد وفاته، أي في أواخر القرن 6 هـ/12 م وأوائل القرن 7 هـ/13 م حيث كانت هناك عدة مدن قد نشـ بينما يكون المجلس الفقهي الكونفدرالي قد ظهر أثناء حياة الشيخ عمي سعيد أو بعد وفاته لذلك سمي بإسمه أي أواخر القرن 9 هـ/15 م (3). وقد ساعدت عدة عوامل على تقوية دور الهيئة الكونفدرالية في تحقيق الإنسجام والوحدة بين المدن المزابية أهمها يلي:
أدت هجرة السكان الإباضيين من رعايا الدولة الرستمية من مختلف المناطق وتمركزهم بوادي مزاب، إلى شن بعض الغارات عليهم من طرق خصومهم المذهبيين، مما أدى إلى تقوية الشعور بالإنتماء المذهبي المشترك، وخلق الحاجة إلى التضامن القوي بين سكان هذه المدن لمواجهة الخطر
المشترك.
(1) أسماوي: نظام العزابة. ص 80. (2) النوري: دور الميزابيين. ج (1) ص. 164.
(3) توفي الشيخ عمي سعيد حوالي سنة 855 هـ / 1452 م. أنظر: نفس المصدر ج (1) ص 164 وقد تم تكريس هذه القاعدة منذ إحياء الهيئة الكونفدرالية العرفية سنة 1989 م عند الدخول في عهد الديمقراطية حيث سمي المجلس الفقهي الذي يضم ممثلي العزابة فقط بـ مجلس عمي سعيد"، وسمي المجلس السياسي الذي يضم ممثلي العزابة والسياسيين والأعيان بـ مجلس "عبد الرحمان الكرثي".