النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ٣٩

35

-

إن قساوة طبيعة المنطقة وقلة مواردها أدت إلى ضرورة تحقيق تضامن اجتماعي قوي لتحقيق الإكتفاء الذاتي من الموارد المعيشية، وإلى ضرورة وضع قوانين موحدة لتنظيم استغلال السيول والأراضي الزراعية بشكل يضمن العدالة والمساواة بين كافة السكان، وبين المدن.

-

إن أغلب السكان الذين هاجروا إلى وادي مزاب من مختلف مناطق التواجد البربري الإباضي كانوا يشكلون فيما مضى قسما من رعايا الدولة الرستمية، وعليه فقد كانت تجمع بينهم الذكريات والآمال المشتركة، بالإضافة إلى المذهب والثقافة الواحدة، والخصوم المشتركين.

إن حدوث بعض النزاعات بين المدن ونشوب فتن داخلية كادت أن تعصف بوحدة المدن، بالإضافة إلى تمرد العوام والعشائر على سلطة العزابة في بعض المدن الأخرى، أدى إلى أن علماء الإباضية شعروا بضرورة تقوية الهيئة الدينية الإتحادية، ليكون لها ثقلا ووزنا معنويا، وتكون بمثابه السلطة الروحية العليا التي تتولى الحفاظ على ثوابت المجتمع، وتضمن سمو سلطة العزابة في المدن المزابية التي بدأت تتسع عمرانا وسكانا، والوقوف ضد أي تمرد للعوام، أو إنقسام بين العشائر

والمدن.

وقد لعبت الهيئة الكونفدرالية لمزاب دورا هاما في تاريخ هذه المنطقة، على أن نشاطها إختلف قوة وضعفا حسب الظروف السياسية والتاريخية المتغيرة وحسب شخصية الأعضاء الممثلين لها، حيث جمدت وظيفة هذا المجلس منذ مطلع القرن الحالي بعد الإحتلال الفرنسي لوادي مزاب وبقي على تلك الحال بعد الإستقلال، وأعيد إحياء دوره منذ أواخر الثمانينات مع التفتح الديمقراطي للنظام السياسي الجزائري. وتقوم هذه الهيئة العرفية اليوم بمجلسيها بوظيفة هامة في المجال الفقهي والسياسي.

الفرع الثاني: ظهور الأنظمة القبلية وتطورها

إن الهيئات والمجالس التمثيلية العرفية الناتجة عن التنظيم القبلي بوادي مزاب، ليست وليدة تاريخ معين، بل هي تنظيم يلازم كافة المجتمعات الأمازيغية التقليدية التي حافظت على تركيبتها القبلية والتي تتشكل من الأسرة، ومجموعة الأسر تكون العائلة أي تدارت" في مزاب و "دشرت" بمنطقة القبائل، وتشكل مجموعة من الدشرات ما يسمى بالعشيرة أو تخروبت" بمنطقة القبائل، ومجموعة من الخروبات تكون ما يسمى بالعرش أو القبيلة، ويوجد على مستوى كل من هذه الهياكل العرفية القبلية مجالس تمثيلية عشائرية (1)، وتتجسد في المجتمع المزابي في كل من: مجلس الأسرة، ومجلس العشيرة، ومجلس الأعيان، وهيئة امكراس على مستوى المدينة. وفي مجلس العوام الكونفدرالي على مستوى وادي مزاب ولذلك نعتقد أن هذه المجالس والهيئات ظهرت بوادي

(1) حول هذا التنظيم، أنظر للمبحث الثاني من الفصل الثاني من الباب الأول.