النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٤٠36
مزاب، مع هجرة مختلف القبائل والتجمعات السكانية الأمازيغية إليها، منذ أوائل القرن 5 هـ. وتشكيل المدن المزابية نفسه كان على أساس قبلي إذ أن الرابطة التي تجمع بين سكان المدينة المزابية هي الإنتماء إلى قبيلة معينة وهذه القبيلة تنتمي الى تحالف قبلي أوسع هو العرش ثم المدينة، على أن هذه الرابطة القبلية تدعمت وقويت بعنصر الانتماء المذهبي المشترك. ونعتقد أن مجلس "الأعيان المتكون من زعماء ووجهاء العشائر واهل الرأي، قد وجد منذ تأسيس أول المدن المزابية في مطلع القرن 5 هـ، وكان له دورا هاما في تخطيط المدن وتنظيم الواحات وتقسيم استغلال سيول الأمطار وغير ذلك، مع التنسيق مع حلقه العزابة، فالمدن المزابية لا يمكن أن تكون على شكلها وهندستها وفي التلال والمرتفعات بذلك النمط المشاهد دون أن تكون خاضعة لدراسة دقيقة >> (1) بل ولتشاور واسع ومداولات بين أهل الرأي والأعيان، ومن المؤكد أن "مجالس الأعيان" كان لها دورا معتبرا في وضع التشريعات المتعلقة بتنيظم إستغلال مياه سيول الأمطار منذ القرن 9 هـ/15 م (2).
وعليه فرجال الدين لم يكن لهم أي دور في إنشاء الهيئات العرفية القبلية ولا في تنظيمها، ذلك أن هذه الهيئات هي وريثة النظام القبلي الأمازيغي، وخلافا لما يراه بعض الباحثين من أن الشيخ أبا عبد الله محمد إبن بكر النفوسي وحد العشائر داخل كل قرية وانتخب رئيسا لها (3)، فإننا نري اعتمادا على ما سبق أن الشيخ أبا عبد الله لم يكن له أي دور في التنظيم العشائري، إنما إقتصر عمله على نشر المذهب الإباضي، وتأسيس أول حلقة للعزابة بمدينة العطف تاثنينت في أوائل القرن (5 هـ)، ذلك أن نظام التمثيل العشائري يوجد في كافة المجتمعات الأمازيغية حتى الآن في الأوراس ومنطقة القبائل والمغرب وغيرها (4)، ثم إن أبا عبد الله لم يشهد نشأة جميع المدن المزابية، وإنما عاصر نشأة العطف فقط إذ تأسست بقية المدن بعد ذلك بكثير، مع أننا لا يمكن أن نذكر دور علماء الأباضية ورجال الدين في تقوية المؤسسات العرفية العشائرية وتدعيم تماسكها وانسجامها. إذ ساهم نظام العزابة إلى حد كبير في توحيد القبائل المتساكنة في نفس المدينة تحت قيادة النخبة الدينية المتمثلة في حلقة العزابة"، التي تتولى الحفاظ على المذهب الإباضي السائد في
(1) آسماوي نظام العزابة، ص 113.
103.106
ص
(2) إذ يذكر أن أعيان مدينتي بنورة ومليكة تفاوضوا مع أعيان مدينة غرداية في القرن 9 هـ، لإنقاص ذراع ونصف من علو السد الذي بنوه حتى تصلهم مياه السيل: أنظر: حمو النوري: دور الميزابيين. ج (1) ص 146 (3) لسماوي: نفس المصدر، (4) محمد الثميني مفهوم الشوري والديمقراطية في التاريخ العربي لدى الرستميين والجماعات المحلية بوادي مزاب بالجنوب الجزائري. أعمال المؤتمر البرلماني العربي الثاني - الجزائر 8 إلى 12 آزار (مارس) 1981 ونلاحظ أنه يوجد بمنطقة القبائل ما يطابق مجلس الأعيان بمزاب ويسمى بـ "تاجماعت". وهي هيئة تضم رؤساء العشائر وأعيان القرية. وينتخب كل سنة رئيسا له يسمى "المرار". أنظر أسماوي نفس المصدر ص
5
105