النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٤٠٧403
المبحث الثاني: علاقات التشاور والتعاون بين الهيئات العرفية والهيئات الرسمية ما بعد
الإستقلال
باسترجاع الإستقلال الوطني سنة 1962، وخاصة بعد إنشاء المندوبية التنفيذية سنة 1963، أصبحت الهيئات التقليدية الحاكمة في المجتمع المزابي بمثابة هيئات عرفية واقعية لعدم إعتراف المشرع بها، وفقدت مجالس الأعيان ما تبقى لها من الاختصاصات والصلاحيات الإدارية لصالح البلدية وأصبح مجال عملها يتركز في الميدان الإجتماعي مع قيامها بدور سياسي معتبر عند إنتخاب المجالس الشعبية الرسمية، بينما بقيت حلقات العزابة تمارس وظيفتها التربوية الدينية والإجتماعية التقليدية لكن أصبحت هذه الهيئات العرفية بحكم نفوذها وقوتها المتزايدة بمثابة أجهزة إستشارة وتعاون ضرورية تعتمد عليها البلدية والولاية لصياغة برامجها وقراراتها وتنفيذها.
وقد دخل وادي مزاب في التنظيم الإداري للدولة الجزائرية الناشئة منذ إنطلاق الثورة التحريرية عند إنشاء التنظيم الإداري للثورة لتطويق نظام الإحتلال وتعبئة الشعب الجزائري، فبالإضافة إلى أجهزة الإدارة المركزية للثورة قسمت البلاد على مستوى الإدارة الإقليمية إلى ست ولايات، وكل ولاية إلى مناطق وقسمت المناطق إلى نواحي والنواحي إلى أقسام، وقد ضمت منطقة وادي مزاب إلى الولاية السادسة التي تشمل الصحراء (1)، وفي أوائل سنة 1956 أنشئت أول خلية رسمية لجبهة التحرير الوطني بوادي مزاب، ومنذ سنة 1957 أنشئ في كل مدينة من المدن المزابية السبع فرع تابع للمنظمة المدنية لجبهة التحرير يتكون من (5) مكاتب هي: مكتب شؤون الأمة، مكتب المال، مكتب الشرطة، مكتب التجارة، ولكل مكتب رئيس يشرف عليه (2).
وبعد إسترجاع الإستقلال الوطني فقد أصبح إهتمام السلطات العمومية هو بناء دولة قوية لا تزول بزوال الرجال وإيجاد مؤسسات دستورية ثابتة في إطار دولة مستقلة، وهذا ما يفسر ظهور إتجاه
واضح نحو تركيز السلطات منذ السنوات الأولى للإستقلال، وفي هذا الصدد فقد تم توحيد النظـ الإداري للبلاد مع تقوية أجهزة الإدارة المركزية للدولة، وكان لذلك أثرا سلبيا على الأنظمة العرفي المزابية، غير أنه ومنذ بداية عهد التعددية في أواخر الثمانينات فقد عادت هذه الأنظمة بقوة للـ الميدان واستعادت الكثير من سلطاتها وصلاحياتها.
سي
(1) حول الإدارة المركزية والإقليمية للثورة أنظر: زغدود: الإدارة المركزية. ص 39 وما بعدها. (2) النوري: دور المزابيين. ج (2) ص 359 وما بعدها.