النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٤٣٠426
خاتمة:
إن نظام الشوري هو ركن جوهري في المجتمع المسلم، سواء في اختيار الحكام أو في تسيير شؤون الدولة، وحجية وجوبة ثابتة بالكتاب والسنة والعقل، ويشمل نطاق الشورى كافة المواضيع التي لم ترد فيها نصوصا قطعية الدلالة والثبوت، وفي هذه المواضيع تقتضي الشورى الأخد بمبدأ الاكثرية كمعيار للوصول إلى الحقيقة والصواب، ونظام الشورى هو ديمقراطية إسلامية تكون فيه سيادة الشعب مقيدة بالسيادة الإلاهية.
وللإباضية نظرية هامة حول الإمامة الشورية تتجلى أهم تطبيقاتها في الدولة الرستمية التي تمثل "إمامة الظهور" وفي النظم الدينية العرفية بوادي مزاب القائمة بإمامة الكتمان وتشكل هذه النظرية وتطبيقاتها في نظام الحكم الرستمي أهم المصادر المادية للنظم الدينية العرفية خاصة منها حلقة العزابة، بينما تشكل الهيئات العشائرية تجسيدا للنظام القبلي - السياسي للمجتمع الأمازيغي التقليدي القائم على مبادئ لامركزية السلطة، وجماعية القيادة والتوازن في التمثيل، والتي تسمح إلى حد كبير بتحقيق المبدأ الديمقرتطي. ويتبين أثر هذه المصادر من خلال طريقة اختيار أعضاء الهيئات العرفية المزابية الدينية منها والعشائرية، والذي يقوم على أساس معيارين جوهريين هما:
- الكفاءة العلمية والأخلاقية وينطبق هذا المعيار على كافة الهيئات الدينية القائمة بإمامة الكتان بالإضافة إلى الهيئات العشائرية، وهو تطبيق لنظرية الشورى عند الإباضية والتي لا تقر إلا بالكفاءة شرطا لتولي المناصب العامة على اساس المساواة المطلقة بين الناس إلا بالتقوى طبقا لقوله (ص):
"إسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد حبشي رواه البخاري عن أنس بن مالك
ولا تعترف بالنسب وشرف المولد. غير أن النقص الموجود في تطبيق هذا المبدا في المجتمع المزابي، يكمن في مفهوم الكفاءة العلمية الذي لازال ينحصر في المعنى التقليدي المتمثل في حفظ القرآن الكريم والإحاطة بمبادئ العلوم الشرعية، بينما نجد أن التطور الحضاري للمجتمع في كافة الميادين العلمية والإجتماعية والإقتصادية يستلزم في أعضاء الهيئات الدينية حتى تستطيع مسايرة الركب الحضاري المعاصر، معرفة معمقة وأكاديمية بالعلوم الشرعية واطلاع واسع بمختلف العلوم الإنسانية والتقنية المعاصرة. والإكمال هذا النقص فإن على الهيئات الدينية مثل حلقة العزابة ومجلس تمسردين والمجلس الفقهي الكونفدرالي عدم الإقتصار على التشاور مع الهيئات التقليدية، وتوسيع مجال الشوري ليشمل النخبة المثقفة المتخرجة من الجامعات والمختصين في مختلف مجالات العلوم للإستفادة من آرائهم ومنشورتهم عند إصدار الفتاوي أو التشريعات العرفية، وحتى لا تقع هذه الفئة ضحية التهميش أو الإقصاء.