النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ٤٣٢

428

والإجتماعية، وتعقدها، وكنتيجة لتأثر الهيئات العرفية بالأساليب الديمقراطية الحديثة التي يتم بها إنتخاب الهيئات التمثيلية الرسمية، فقد تم إعتماد العديد من هذه الأساليب خاصة منذ بداية الفترة

الديمقراطية.

والنظام العرفي السائد في المدينة المزابية والمتميز بالإنسجام والتكامل جعل كل جماعة تمثل بأحسن طرق التمثيل في الهيئات القيادية، كما أن طبيعة هذا النظام القائم على مبدإ لامركزية السلطة وتوزيعها بين العزابة والعوام تفرض حتما أسلوب الشورى كطريقة للتواصل وتبادل الآراء بين مختلف الهيئات حتى يتم إصدار قرارات وتنظيمات تجسد إرادة الأغلبية، وعليه فإن العزابة لا يصدرون التشريعات العرفية لتنظيم الأمور الإجتماعية إلا بعد إستشارة كل من الهيئة النسوية (تمسردين) والعشائر الممثلة في مجلس الأعيان، كما أن العزابة لا يتدخلون في الشؤون الداخلية للعشائر بحيث تحافظ كل منها على حريتها واستقلالها في معالجة أمورها الداخلية بالتشاور داخل مجلس كبار العشيرة ثم بين هذا المجلس وأبناء العشيرة الذكور، وبهذه الصفة أضحت العشيرة إطارا للممارسة الشورية. أما القضايا والمسائل المشتركة بين المدن المزابية، فتعالج بواسطة الهيئة الكونفدرالية العرفية التي تمثل فيها كافة المدن بصفة متوازنة ولا يتم التقرير فيها إلا طبقا لمبدا الأغلبية أو الإجماع. وعليه فإن هذه النظم لا تقوم على أساس زعامات شخصية أسطورية، وإنما تشكل أطرا تنظيمية مرتبطة بالتنظيم الإجتماعي تستهدف أساسا التعبير عن الإرادة الجماعية لمختلف فئات المجتمع، وبالتالي فإنه لا تتم صياغة وبلورة هذه الإرادة الجماعية الا بعد التشاور الديمقراطي الحر بين الفئات المكونة للمجتمع وفق قواعد محددة. غير أن مايعاب على طريقة الشوري التي كانت تتم في هذه الهيئات إلى وقت قريب هي أنها طريقة تقليدية قد لا تسمح في بعض الأحيان - نتيجة عوامل عدة - بالتحديد الدقيق لمقدار الأقلية والأغلبية، لذلك نجد أن الكثير من هذه الهيئات خاصة العشائرية منها إعتمدت منذ الفترة الديمقراطية أسلوب التصويت برفع الأيدي أو بالإقتراع السري المباشر، باعتبارها أصبحت من الاساليب اللازمة والمرتبطة بأي نظام شوري

ديمقراطي.

وقد أدى احتكاك النظم التقليدي المزابية بالمؤسسات الإستعمارية إلى أضعاف كبير للنظم الديقية وإدماج النظم العشائرية في الإدارة الإستعمارية نتيجة سياسية الاحتلال الفرنسي، وكان نتيجة ذلك تحطيم الكثير من تقاليد الديمقراطية العشائرية، وتطبيقات الشورى في الهيئة الكونفدرالية وحلقة العزابة التي كانت سائدة منذ مئات السنين، أما بعد الإستقلال فقد بقيت هذه النظم على ضعفها نتيجة سياسة النفي والضغط التي مارستها أجهزت حزب (ج، ت، و (الحاكم في فترة الواحدية السياسية، إلا أن الدخول في الفترة الديمقراطية بعد إقرار دستور 1989/ 02/23 وظهور التعديدية السياسية، أدى الى تقوية وإنعاش دور هذه الظم نظرا إلى حاجة الجماعة الإباضية التي تشكل مجتمعنا متجانسا عقائديا وثقافيا ولغويا - إلى التعبير عن وجودها وخصوصيتها من خلال هذه