النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٤٨44
الركن المعنوي ويتمثل في الشعور والإحساس بالزامية ذلك السلوك، وبضرورة إحترامه مثله مثل القانون الواجب الإتباع، وهذا ما نجده بالنسبة للقواعد المنظمة لهذه الهيئات، حيث أصبحت هذه القواعد ملزمة واجبة الاتباع للشعور والإحساس العام في المجتمع بضرورتها وحتميتها لتحقيق النظام العام والتضامن في المجتمع.
رابعا: هيئات عرفية إدارية ودستورية
تعد الهيئات التقليدية الحاكمة في المجتمع المزابي، هيئات عرفية إدارية مكملة ومساعدة للمجموعات المحلية وهي البلدية والولاية، ومن جهة أخرى فإن قيام هذه الهيئات أحيانا بالعمل السياسي جعل منها أيضا هيئات عرفية دستورية، وفي الغالب فإن الأعمال التي تقوم بها هذه الهيئات هي أعمال ذات طبيعة إدارية وتنفيذية بحتة مكملة للوظيفة الإدارية للبلدية والولاية، مثل المشاركة في تسيير المدن المزابية العتيقة والتكفل بالشؤون الإجتماعية للسكان، وتنظيم الحراسة وسط المدن … إلخ، وبذلك فإن القواعد المنظمة لها تعد من العرف الإداري، والعرف الإداري ينشأ عندما تلتزم الإدارة في إشرافها على مرفق ما، قاعدة معينة وتسير عليها، فتصبح تلك القاعدة ملزمة لها بحيث لا تستطيع العدول عنها (1).
وقد درجت الوحدات الإدارية الرسمية المتمثلة في البلدية والولاية على التعامل والتعاون مع هذه الهيئات التقليدية، والإعتراف الضمني بوجودها وبالقواعد التي تحكمها وتنظمها، بل أصبح الإستعانة بهذه الهيئات من طرف أجهزة الإدارة الرسمية أمرا حتميا لا بد منه للقيام بالمرافق العامة، بحيث بات هذا السلوك الذي انتهجته الإدارة لمدة زمنية طويلة وبصفة مطردة يكتسي طابع الضرورة والإلزام وبذلك توفر فيه ركني العرف المادي والمعنوي، وبما أن هذه الهيئات التقليدية تقوم بوظيفة مكملة لوظيفة المجموعات المحلية، فهي تخضع لقواعد العرف الإداري المكمل، الذي جاء ليكمل النقص والسكوت الموجود في القانون الإداري بخصوص هذه الهيئات التقليدية. ذلك أن هذه الهيئات أصبحت تقوم - في عهد الديمقراطية - بصفة رسمية بجانب هام من العمل السياسي يدخل في نطاق القانون الدستوري، خاصة إنتخاب المجالس الشعبية الرسمية، مثلها مثل الأحزاب السياسية، كما أصبحت لبعض هذه الهيئات كالمجلس الكونفدرالي العرفي لوادي مزاب ومجالس الأعيان علاقات رسمية مع السلطات العامة في الدولة، ويتضمن ذلك إعترافا ضمنيا بها من قبل الدولة، وبما أن الدستور لم يعترف إعترافا صريحا بهذه الهيئات، فإن هذه السلوك الذي اتبعته السلطات العامة يدخل في نطاق العرف الدستوري، والعرف الدستوري ينشأ بإتباع السلطات العامة
<<
(1) د. سليمان محمد الطماوي: مبادئ القانون الإداري - دراسة مقارنة الكتاب الأول، دار الفكر العربي، 1977، 35. ويقصد بالمرفق العام هنا نشاط " activité " من نوع معين تقوم به الإدارة لصالح الأفراد ولا يقصد به الهيئة التي تقوم بهذا النشاط انظر: نفس المصدر، الكتاب الثاني: نظرية المرفق العام وعمال الإدارة
مان
العامة، ص 23