النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٨٩85
فهي أمور ثابتة لا تتغير حسب الظروف والأزمة وبالتالي فإنه لا يجوز التشاور في شأنها لتغييرها وتبديلها لأنه لو كانت المسائل الدينية كالعقائد والعبادات والحلال والحرام، مما يقرر بالمشاورة، لكان الدين من وضع البشر >> (1).
>>
الطبري عن سفيان بن عينيه قوله حول نطاق الشورى: هي للمؤمنين أن يتشاوروا ويروي فيما لم يأتهم عن النبي (ص) (2).
<<
دسي
و عن الشيخ محمد عبده في تفسيره: المراد بالأمر، أمر الأمة الدنيوي الذي يقوم به الحكام عادة، لا أمر الدين المحض الذي مداره على الوحي دون الرأي >> (3). وعن الشيخ أبو زهرة أصل عام لكل شؤون المسلمين، فيما لم يرد فيه نص >> (4). ويستدل هؤلاء على رأيهم إلى أن الصحابة كانوا لا يعرضون شوراهم على النبي (ص) إلا بعد أن يتأكدوا أن العمل الذي هو بصدده، أو القرار الذي اتخذه صادر عن رأيه الشخصي، وليس عن منزل، وعليه فإن الشورى حسب أصحاب هذا الرأي هي القاعدة، وبالتالي فهي واجبة على وحي الحكام في جميع الشؤون الدنيوية، والإستثناء من ذلك هي الأمور الدينية التي لا تجوز فيها
المشاورة.
نقده يمكن أن نوجه إلى هذا الرأي الإنتقادات التالية:
(1) إن ترك مجال الشورى واسعا بهذا الشكل ليشمل كافة الأمور الدنيوية التي لم يرد فيها نص شرعي، يؤدي إلى عدم الوضوح والخلط، لأن تطبيق ذلك يستحيل واقعا وعملا، لكثرة الأمور الدنيوية وإتساع الحياة المعاصرة وتشعبها، وتعقدها، ثم إن هناك بعض الأمور والمسائل التي تحتاج إلى السرعة والسرية في إتخاذ القرار بشأنها مثل المسائل التنفيذية المستعجلة، بالإضافة إلى أن هنالك أمورا أخرى بسيطة لا تستلزم إستشارة في شأنها. وعليه فلا بد من تحديد الموضوعات
الدنيوية التي تجب فيها الشورى بواسطة وضع معيار معين لتمييزها عن الموضوعات الأخرى. (2) إن أصحاب هذا الرأي إستبعدوا الأحكام الدينية عن أي إجتهاد واستشارة وهو ما يخالف صراحه عمل الصحابة والخلفاء الراشدين، حيث تجدهم اجتهدوا في أمور دينية محضة مثل: ميراث الجد، زيادة حد شارب الخمر، تقسيم أراضي الخراج … إلخ.
الاتجاه الثالث: كل الأمور الدنيوية وبعض الأحكام الدينية
يرى أصحاب هذا الإتجاه أن الشورى تشمل حتى بعض الأحكام الدينية، فإن كان من المسلم
(1) … الشيخ محمد عبده. والشيخ محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الطبعة الرابعة، دار المنار، مصر،
1373 هـ، ج (4) ص 200.
(2) الطبري: جامع البيان. ج (7) ص 345.
(3) محمد عبده: نفس المصدر ج (4) ص 200.
(4) الإمام محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، مصر (د. ت)، ص 24.