المعمار والممارسة الاجتماعية
الجزء ١ · صفحة ١٤فالمضمون الاسلامي في النظرية المعمارية، وان كان يشمل الجوانب الوظيفية البحتة مع الحرص على تطبيق
التعاليم والمفاهيم الاسلامية عند التعامل مع كل عنصر من عناصر البناء، فانه لا يعني الالتزام بما جاء مباشرة في القرآن الكريم أو السنة المحمدية المطهرة في هذا الشأن فقط، ولكنه يعني أيضا تطبيق كل ما يساعد على تيسير أداء المسلم للتعاليم والقيم الاسلامية في مكان العبادة أو السكن أو العمل أو الترفيه أو اللقاء، فاذا كان المضمون هو المحرك الأساسي ليد المعماري وفكره والذي لا بد له أيضا أن يرسخ في وجدان المجتمع المسلم، فان العمل المعماري في النهاية هو نتاج لتفاعل الفكر المعماري مع الرغبات والمتطلبات العامة للمجتمع (13).
الخطاب
فكان الدين أول الأمر مانعا من المغالاة في البناء والاسراف فيه في غير القصد كما عهد عمر بن للذين استأذنوه في بناء الكوفة بالحجارة، وقد وقع الحريق في القصب الذي كانوا بنوا به من قبل، فقال: افعلوا ولا يزيدون أحد على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في البنيان والزموا السنّة تلزمكم الدولة. وعهد الى الوفد أن يتقدم الى الناس بأن لا يرفعوا بنيانا فوق القد. ار. قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم الى الشرف ولا يخرجكم عن القصد هكذا كان الفكر الاسلامي هو الموجه لعمليات البناء وكان الالتزام بالقدر الذي وضعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه "ما لا يقرب إلى السرف ولا يخرج عن القصد " وهذا هو معنى الوسطية في النظرية المعمارية كما حدد ها الاسلام: " (44)
هو
فالبحث اذن عن الشكل في عمارة المسلمين يمكن أن ينطلق أيضا من ناحية المفهوم الاجتماعي فـ الاسلام - في المساواة في التواضع في التكافل. بحيث تظهر عمارة الخاصة من الخارج معبرة عن هذه المفاهيم من خلال التجانس والبساطة وعدم التطاول في البنيان اقتداءا بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام بخصوص حق الجار "، ولا يستطيل عليه في البنيان فتحجز عنه الريح الا بإذنه. " مع عدم الاسراف المخل بالقيم الاجتماعية
أو الاثارة الطبقية، فالمسلمون أمام الله كأسنان المشط في المساواة. فالمظهر الخارجي للعمارة تحدده القـ العامة للمجتمع أما المظهر الداخلي فتحددها القيم الخاصة بأفراد المجتمع يظفي عليه الفرد ما في مقدوره من امكانيات دون اسراف أو تقتير. فالاسلام يحدّد علاقة الفرد بالمجتمع بعدد من السلوكيات والقيم الاجتماعية والنظم الاقتصادية كما يحدد علاقة الفرد بنفسه من خلال عدد من السلوكيات والعبادات التي تربط الانسان بخالقه فتكون بذلك ذاتية الفرد في باطنه أما ذاتية المجتمع ففي ظاهره. ولا يعنى ذلك أن ينفصل الظاهر عن الباطن ولكن لكل منهما تعبيره المعماري الذي يرتكز على القيم الاسلامية للمجتمع في الخارج والفرد في الداخل. وهذا الشكل في كلتا الحالتين يعبر عن القيم الاسلامية في العفوية والصفاء والصدق وتظهر في التعبير الصريح عن
12