المعمار والممارسة الاجتماعية
الجزء ١ · صفحة ١٣كبير تعكس نمط عيش مجتمعها ومنهج تفكيره و بالتالي ممارسته الاجتماعية. فالعمارة الفرعونية مثلا، التي تعكس علاقات العبودية والاستكبار والاستعلاء في الأرض، كانت عمارة عظيمة و شاهقة تبرز من خلالها عملية احتقار الانسان كفرد في المجتمع وتعظيما وتقديسا لفرعون الاله "، و قَالَ فِرْعَونُ: يَا أَيُّهَا المَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنَ الِهِ غَيْرِي فَأَوْقِد لي يا هَامَانُ عَلَى الدِّينِ فَاجْعَل لي صَرْحًا لعلّي أطلع إلى اللهِ مُوسَى وإنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الناذِبِينَ، واسْتَكْبَرَ هُوَ و جُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجِعُونَ (10) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شيئا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنهُمْ يُدَبِّحُ أَبْنَا هُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ". (14)
لذلك فإن هذه العمارة امتازت بنسب و احجام ليست في مستوى حجم الانسان، بل كانت مرتفعة الى درجة يصبح فيها الإنسان مسحوقا أمامها، و العمارة اليونانية التي تأثرت بالفلسفة اليونانية، أعطت قيمة كبيرة للانسان والذات البشرية كمحور في هذا الكون، فكانت النسب والاحجام و الهيكلة للمدينة اليونانية في مستوى
الانسان و اختلفت من هذه الناحية اختلافا كبيرا عن العمارة الفرعونية، وكذلك العمارة الرومانية والفارسية
و البيزنطية .. … فقد كانت تعكس الى حد كبير المفاهيم والسلوكيات الاجتماعية، و النظم السياسية والاقتصادية التي حكمت هذه المجتمعات، مما جعل الكثير من الباحثين الاجتماعيين يعتمدون على ما تبقى من هذه العمارات في دراسة هذه المجتمعات وكانت بذلك مرجعا أساسيا لهم.
و الحضارة الاسلامية كبقية الحضارات ميزتها هي الاخرى خصوصيات تضمنت مفاهيم و نظم اجتماعية وسياسية
حكمت المجتمع الاسلامي و انعكست على عمارته. المعمار والممارسة الاجتماعية في الحضارة الإسلامية
إن علاقة العمارة بالمجتمع، علاقة تنظمها قواعد اجتماعية وسلوكية من جانب كما تؤثر عليها محددات مكانية وبيئية من جانب آخر 000 فالقواعد الاجتماعية والسلوكية في المجتمع الاسلامي تحدّدها الشريعة الاسلامية وقيمها أما المحددات المكانية فتختلف من منطقة الى أخرى وان كانت أحكام الشريعة والقيم الاسلامية تؤثر في بعض جوانبها التنظيمية والتشريعية، وهكذا فعلاقة العمارة بالمجتمع الاسلامي هي في الواقع علاقة تحددها أحكام الشريعة والقيم الاجتماعية، وهي ذات جانبين: الأول مادي ويرتبط بالاقتصاد الاسلامي والتكافل الاجتماعي بين المسلمين، والثاني، وظيفي يرتبط بحقوق الأسرة وحقوق الجار … الخ (42).