هجرة سكان بني ميزاب إلى تونس
الجزء ١ · صفحة ٩٧الفصل الثاني.
بدايات الهجرة وأسبابها
وربما أكثر ما يهمنا هنا من هذه الهيئات كلها مجلس العائلة وأيضاً مجلس إدارة العشيرة لما لهما من تأثير مباشر في حياة الفرد الميزابي، لأنهما جعلا من الإنسان الميزابي يحس بنوع من الراحة والأمان على أسرته وأفراد عائلته والخروج من المنطقة للبحث عن عمل يؤمن به الحياة الكريمة له ولأهله هناك.
فتقاسم الرجل والمرأة الأدوار في وادي ميزاب في بناء الأسرة وتشكيل خلية المجتمع الأولى، فنجد أن الرجل كان منهمكا في طرق أبواب الزرق الشحيحة في ذلك المحيط الصحراوي القحل عن طريق الفلاحة أو الرعي أو امتحان بعض الحرف، ومنهم من كان يفضل الاغتراب عن الوادي إلى مدن الشمال للاشتغال في التجارة، وفي ظل غياب الرجل كانت المرأة تتولى رعاية البيت والقيام بمهمتها الفطرية من تربية النشء والسهر على تنشئتهم على القيم والأخلاق ومبادئ الدين، إلى جانب ما كانت تنتجه بيديها من مختلف المصنوعات والمنسوجات
وإن المرأة الميزابية بفضل العوامل التربوية الحسنة، متمسكة بدينها كل التمسك، تخاف الله وتراقبه في أعمالها ولا ترضى أن يخالف الدين، أمامها، ولدينها وورعها تطيع زوجها وتحافظ على ماله وتقتصد فيه، وتعتقد أن إثراء الرجل يكون بحسن تدبير المرأة، ولقوة شخصيتها تشترط على زوجها في عقد الزواج ثلاثة شروط: أن لا عليها، وأن لا يرتكب إحدى الكبار الأربع الزنا، الخمر، الميسر، قتل النفس المحرمة، وأن لا يغيب عنها أكثر من عامين، وإذا فعل واحدة مما ذكر صار أمر طلاقها بيدها، تطلق نفسها إذا شاءت
2
فهكذا كانت تشترط المرأة الميزابية على زوجها عدم الغياب الطويل عنها، ويفهم من خلال هذا الشرط الذي تفرضه النساء الميزابيات في الزواج، أن ظاهرة الهجرة والغربة كانت منتشرة وبكثرة في أوساط الشباب الميزابي من أجل العمل أو من أجل طلب العلم كما سوف نرى في الفصل القادم.
ومن خصوصيات الهجرة الميزابية أنها هجرة رجالية في عمومها وربما ساهم كل من العرف الميزابي والمذهب الإباضي في ذلك، فالميزابيون يمنعون سفر المرأة خارج ميزاب لحكمة أخلاقية، ولضمان عودة المهاجر وجعله
3
1 ـ قاسم بن
أحمد
الشيخ بالحاج: المرجع السابق، ص
65
2
3
- محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 1، المرجع السابق، ص-ص (229 - 231).
في 28 مارس 1928 م، أصدر مجلس وادي ميزاب قرارا نصه: " هذا وقد اجتمعت أعضاء القرى السبع لواد ميزاب: غرداية ومليكة ويسجن وبونورة والعطف وبريان والقرارة اجتمعوا في عمي عبد الرحمن الكرتي رحمه الله، واتفقنا، بعد أن قرأنا الفاتحة، على أننا لا نرضى على ميزابي أن يخرج رزوجته أو بنته أو حرمة ميزابية مطلقا، أي يخرجها من ميزاب إلى خارج بلدة من سائر البلدان مطلقا، غير إحدى القرى السبع المذكورة، فجعلنا ذلك حدا محدودا، وحائطا مشيدا مرصوصا وسدا وثيقا، فمن تعداها فقد تعدى حدود الله، ولزمته دعوة السوء من المذهب، وعليه اللعنة والخزي في الحياة الدنيا وفي الاخرة. ينظر: يوسف بن بكير الحاج سعيد: المرجع السابق، ص-ص (213 - 214).
91