الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية
الجزء ١ · صفحة ١٨٩اللغات الأجنبية): لا يمنع السالمي من تعلمها للضرورة كمترجم الملك ونحوه. ولكن في رد الشيخ على بعض الزنجباريين منعهم من ذَلِكَ بشدة، ولم يعتبر ما اعتذروا به من ضياع حقوقهم ضرورةً، وَذَلِكَ لَمَّا تَبَيَّنَ له أنَّ هدف الإنجليز من فتح مدارسهم في تلك البلاد لم يكن سوى نشر أفكار الشرك، ومحو الشخصية الإسلامية من نفوس الناشئة، فكان رأيه أن عدم تعلمها سلامة للدين، وحفظ للغة العربية، منطلقا في ذَلِكَ من حسه الديني، ومعتمدا على حديث لِرَسُولِ اللهِ»: «من أحسن منكم أن يَتَكَلَّمَ بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فَإِنَّهُ يورث النفاق»، فالكلام بغير العربيَّة يفضي إلى محبة غير المسلمين، وَهُوَ عين النفاق. وبرّر منع أهل زنجبار من تعلم تعلم اللغة الأجنبية بـ «مخافة أن يجرهم ذَلِكَ إِلَى إهمال العَرَبِيَّة رأسا، وإلى انطماس رسومها بين ظهرانيهم، فيصير العربي أعجميا، كما هو المشاهد من أحوال المخالطين للأعاجم، وبترك العَرَبيَّة يتعذر فهم الكتاب والسنة .... ولا يمكن أن نحاكم السالمي في هذا الرأي وفق معطياتنا المعاصرة، فَإِنَّ لِكُلِّ زمان ظروفه، ولكن نلاحظ أَنَّ ما خشيه على الزنجباريين قبل قرابة قرن صاروا اليوم يعيشونه بمرارة، حيث صارت اللغة العربيَّة غريبة لا يعرفها إلا فئة قليلة من الناس. والمؤمن بنور الله
يبصر!.
العلوم والوسائل التقنية الحديثة: علم الفلك قديم قدم التاريخ البشري، إلا أنَّه شهد تطورا كبيرا، حتى صار أحد نماذج تقدم العلوم والتقنية الحديثة، وسنحاول من خلاله معرفة موقف السالمي منه، ليعطينا لمحة عن نظرته إلى العلوم الحديثة.
في جوابه عن سؤال حول زيادة القمر ونقصانه يَرُدُّ عَلَى من يقول بأنَّهُ يستمد نوره من الشمس، وَأَنَّ نقصانه وزيادته بحسب الجزء المقابل منه للأرض، ويرى أَنَّ هَذَا الرأي مبنيٌّ عَلَى الوهم والخيال والتخمين وَأَنَّ الحقِّ فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّصَرُّف فيه الله، وقد يكون زيادة القمر ونقصه بسبب أو بدونه، ومعرفة السبب متعذر إلا بالوحي وقد انقطع. وفي جوابه هذا ينطلق من مبدإ قدرة الله المطلقة، ويستند إلى القرآن والسنة، ويعتمد في فهمهما على المصادر التراثية). وسبب موقفه هَذَا أَنَّهُ. وسبب موقفه هَذَا أَنَّهُ بعيد جغرافيا عن مراكز الحضارة، ولكونه لم يبلغه ما وصل إليه علم الفلك الحديث في زمانه من التطور، واختراع المناظير الدقيقة، وهذا نتيجة لموقف
(1) انظر بذل المجهود، ص 5246 (2) قال السالمي: حديث صحيح (ص 48)، وعزاه إلى مستدرك الحاكم. والحاكم رواه بلفظ: «فلا يتكلمن»، ولم يعلق عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. انظر: المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (321 - 405 هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى، 1411 هـ /1991 م، 98/ 4.
(3) بذل المجهود، ص 46.
(4) يرى السالمي أنَّ نقصان القمر وزيادته إنما هما في ذاته، مستدلاً بقوله تَعَالَى: {وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونَ القديم (يس: 39)، ولا يكون كالعرجون إلا إذا كان مشابها له في ذاته من الدقة والانحناء. كما استشهد بحديث سبب نزول قوله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج (البقرة: 189)، واعتمد في فهم الظاهرة الفلكية على السيوطي في رده
على السعد التفتازاني.
- 189 -
Document
téléchargé
depuis
www.pnst.cerist.dz
CERIST