الشيخ نور الدين السالمي: حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية مصطفى بن محمد شريفي

الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية

الجزء ١ · صفحة ١٩٢

لمن لم ينقضها، لكون العلم أصلا لها، وبه تقوم الحُجَّة بها عَلَى المكلف .... وبرر تقديم ذكر العلم على الجهل مع أنَّهُ طبع في الإنسان بِأَنَّ العلم أشرف. ويعطينا تبريرا منطقيا لتقديم مبحث السؤال على مبحث الفتوى: «لأَنَّ السؤال سبب للفتوى والسبب مُقَدَّم عَلَى مسيَّه» (2).

والتسلسل يظهر أيضا في حسن التفريع وحسن التبويب كما في مباحث الولاية والبراءة المعقدة والغامضة بتداخلها أحيانا، فقد حللها تحليلا منظما واضحا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تصور دقيق للموضوع وتمكن عميق فيه، وَعَلَى التحكم في مادته العلمية، رغم كونه ضريرا.

ومن نماذج حسن الترتيب للأفكار: التعديلات التي أجراها على ما وجده في أصل مُؤلّفه، كما في جوهر النظام، الذي عدل فيه ترتيب بعض الأبواب من منظومة الصائغي، وقد لا يخالف الأصل فقط بل يخالف الترتيب المألوف في كتب الفقه كُلّيّة، كما في باب المساجد، إذ فَصَل بين ما يتعلق منه بفضلها وحقوقها وآدابها، وبين ما يتعلق بأموالها، مراعيا في ذَلِكَ التناسب بين المواضيع، ويقول:

وها هنا باب أرى أن أذكره في بابه والأصل عنه أخره ذكره كسائر الأصحاب فيما لحكم الوقف من أبواب .... حتى يكون الكل مع مناسبه ليسهلن أخذه لطالبه» (9)

ومثل هذا التعديل كان في موضوع صلاة الجمعة، فقد رتب ذكرها مباشرة بعد فصل القصر في الصلاة باعتبار أن الجمعة قصر للظهر (؟). وعدَّل أيضاً في ترتيب بعض أبواب مختصر الخصال، لما نظمه في "مدارج الكمال، وقد خلط - كما يقول عدة مسائل وجمعها في قاعدة واحدة وعدَّة فوائد في فائدة واحدة، وقد أكثر من مخالفته في الترتيب حَتَّى إنَّ المرء لا يعرف أنَّ أصلها من مختصر الخصال إلا إن ذكر له ذلك. يقول محمد محمود إسماعيل عن المادة العِلمِيَّة في تأليف السالمي: ويمتاز في كتبه بغزارة المادة، وسعة الاطلاع … وهي كلها لباب لا تجد فيها الحشو، عميقة تدلك عَلَى شَخصيَّة المُؤلّف القوية، وَعَلَى عبقريته في العلوم» (?).

(1) بهجة، 13 - 14.

(2) المصدر نفسه، 23. وانظر مثل ذلِكَ في: ص 65، 151. وفي المشارق، ص 97.

(3) انظر: بهجة، ص 151 - 170. (4) جوهر النظام السالمي، 78/ 1.

(5) المصدر نفسه، 87/ 1. وانظر أيضاً بابي الإيلاء والظهار: 228/ 2. وكتاب الشفعة: 317/ 2. (6) انظر معارج 92/ 1 - 94. ويقول السالمي بكل تواضع أمام الحضرمي (صاحب الأصل: إنَّ إعادة الترتيب لم يكن «الخلل في ترتيب الأصل، لكن لمراعاة حال أهل زمانه، فَإنَّ حال أهل زمانه - رحمة الله عَلَيْهِ - يقتضي ذَلِكَ الوضع الذي وضعه، وما على وضعه من مزيد، وحال أهل زماني يقتضي هَذَا الوضع الذي وضعته». وَهَذَا يظهر مدى تقديره وإجلاله للحضرمي، وقد اتخذه السالمي قدوة في

مواقفه السياسية والعِلْمِية والإصلاحية.

(7) مقدمة محمد إسماعيل للمعارج 5/ 1، 7.

- 192 -

Document

téléchargé depuis www.pnst.cerist.dz

CERIST