الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية
الجزء ١ · صفحة ٢١٤وزمانيا ومكانيا؟ فأجاب السالمي بقوله: « … نعم نوافق أنَّ منشأ التشتيت اختلاف المذاهب، وتشتت الآراء، وَهُوَ السبب الأعظم في افتراق الأمة، على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع في بيان الجامعة الإسلامية. وللتفرُّق أسباب أخرى، منها: التحاسد أو التباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها: طلب الرياسة والاستبداد بالأمر … وجمع الأمة عَلَى الفطرة الإسلاميَّة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا، مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمرا كان لَو أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلْفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلْفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63]، والساعي في الجمع مصلح لا محالة. وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحضّهم على التسمي بالإسلام، فَإِنَّ الدين عند الله الإسلام، فإذا أجاب الناس إلى هَذِهِ الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية ولو بعد حين، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه، ويكون الحق أولاً عند آحاد الرجال، ثُمَّ يفشو شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى يرجع إلى الفطرة، وهي دعاية الإسلام، التي بعث بها محَمَّد عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلام، وتضمحل البدع شَيْئًا فشيئاً، فيصير الناس إخوانا، ومن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَى نفسه. ولو أجاب الملوك والأمراء إلى ذَلِكَ لأسرع في الناس قبولهم، وكفيتم مؤونة الغرم، وإن تعذر هَذَا من الملوك فالأمر عسير والمغرم ثقيل. وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي، ومتردد الملائكة، ومقصد الخاص والعام حرم الله الآمن، لأنَّه مرجع الكل … » (1).
(2)
ولا يخفى ما في هَذا التحليل من واقعية ووعي بأسباب فرقة المسلمين، الدينية والسياسية والدانية، وهو شبيه بطرح الكواكبي) الذي اقترح إنشاء جمعية دائمة غير حكومية، تعنى بإصلاح وضع المسلمين، يكون مركزها مكة، ولا تتقيد مذهب ديني خاص، ويكون شعارها: "لا نعبد إلا الله».
ونلاحظ أنَّ السالمي ألقى بالمسؤولية في جمع الشمل على عاتق الحكام والأمراء، وَهَذَا يعتبر أمرا معقولا إلى حد بعيد، فالعالم الإسلامي في ذلك العهد - وإلى اليوم - يعاني من أزمة حكامه، الذين لا يحققون آمال شعوبهم في جمع الكلمة، وإنفاق الأموال الطائلة من أجل زيادة تشتيت المسلمين، ولا ينفقون عشر معشار ذَلِكَ في الصلح بينهم، وتوحيد صفوفهم!.
ولكن ما يأمله السالمي من عدم التسمّي بالألقاب المذهبية والعودة إلى الفطرة الإسلامية أمر نظري وليس واقعيا، لأنَّ العودة إلى الفطرة المذكورة - وَلَعله يقصد بها الرجوع إلى الكتاب والسنة دون تقليد تفضي إلى ما يُسَمَّى بـ"اللا مذهبية)، وإلى ظهور مذاهب جديدة؛ لأن تصحيح النصوص وفهمها
(1) العقد الثمين 126/ 1 - 127. نهضة، ص 123 - 124.
(2) عبد الرحمن الكواكبي (1265 - 1320 هـ / 1849 - 1902 م): انظر ترجمة وأعماله في زعماء الإصلاح أحمد أمين، ص 319 - 355 الأعلام الزركلي، 298/ 3
(3) زعماء الإصلاح: أحمد أمين، ص 351.
(4) انظر: اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية، د. محمد سعيد رمضان البوطي، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عين مليلة،
الجزائر، 1990 م، ص 14 وما بعدها.
-214 -
Document
téléchargé
depuis www.pnst.cerist.dz
CERIST