الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥CERIST
ببيت بني للمعاصي.! فالسالمي في هَذِهِ الفتاوى يستنفر جميع أفراد المجتمع لاستئصال جذور الفساد وأماكنه، حتى يشعر المفسدون أنَّهُم محاصرون منبوذون من الجميع، فيستريح من شرهم العباد، وتأمن من فسادهم البلاد، فَإِنَّهُ يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وَهَذَا الموقف الصارم من السالمي يشبه إلى حد ما أسلوب الكبسة" الذي يحبذه الشيخ محمد عبده وهي مباغتة الشرطة لدور الفجور والأماكن المشبوهة، فلا ينهض بالشرق ـ في نظره إلا مستبد عادل. إلا أنَّ الكبسة تكون في إطار رسمي منظم من قبل السلطة، بينما يوحي كلام السالمي بأنَّ محاربة الفجور مهمَّة الجميع، ولكن لا تستقر الأمور بِهَذِهِ الطريقة، ولا بُدَّ من ضوابط، لِذلِكَ فَإِنَّ دعوة السالمي إلى قيام الإمامة كانت ملحة لتضبط هذه الأمور، ولتتولى محاربة الفساد على أحسن وجه.
واستئصال مَادَّة الفساد - قطع الطرق، وأعمال السلب والنهب المنتشرة - لا يكون بالحلول الترقيعية التي دأب عَلَيْهَا المسلمون، وإنما يكمن في تطبيق الشريعة الإسلامية بشموليتها، والضرب على يد الظالم؛ ففي سؤال ورد إلى السالمي جاء فيه أنَّ اللصوص لا يتورعون عن اليمين الفاجرة، فإذا جاء صاحب الشيء المسروق إلى القاضي بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنهُ صاحب ذَلِكَ الشَّيْء فَإِنَّ القاضي يكلف المدعى عَلَيْهِ باليمين، والسارق لا يتورع عن اليمين الكاذبة، فيضيع الحقُّ بِهَذِهِ الطريقة، واقترح السائل حلا آخر رأى أنه أقطع للفساد، فردَّ عَلَيْهِ السالمي بموقف قاطع وحاسم بقوله: «المفسدة في ترك الشرع أعظم منها في فعل اللصوص، أتدراً المفاسد بترك الأحكام؟! كلا والله ا ما هَذَا إلا جور آخر فوق الأول! ألا أدلك على ما! يقطع المفاسد من أصلها؟ هو استعمال الشريعة [على] من أهانها كقطع الأيدي والأرجل، وقطع الرؤوس، وإزهاق النفوس (3)، وليس الشرع مقصورا عَلَى بَيِّنَة، ويمين، بل هَذَا بَعض الشرع، وبقيت أبواب من الشريعة أخر تدرأ الفاسد وتجلب المصالح في الدين والدنيا، لكن عجز أهل زمانك عن فتحها، فاقتصروا على اليمين، فظن العوام ومن لا خلاق له من الجهال أَنَّ ذَلِكَ هو الشرع لا غير، فقبَّحوا محاسن الشريعة. اللهُمَّ انصر الإسلام وأهله!» (4). وفي هَذَا الجواب ينعى السالمي عَلَى الذين يأخذون من الدين ما شاؤوا ويذرون ما شاؤوا، فالدين كل لا يتجزا، وهو نظام متكامل الجوانب، لا ينبغي أن نجترئ منه بَعْضًا، ونتغافل عن جوانب أخرى قد تكون أكثر أهمية؛ فيساء فهمه، ويُعتبر نظاما غير صالح، وبهذه النظرة القاصرة المجزئة للدين جنى المسلمون - ويجنون على دينهم، وإذا سألنا السالمي عن الحل الشامل؟ كان جوابه: تغيير نظام الحكم إلى الإمامة، التي تلتزم بتطبيق شرع الله وحدوده.
(1) العقد الثمين 458/ 2
هذا
Document
téléchargé
depuis www.pnst.cerist.dz
(3) يشير بذلك إلى حد الحرابة المذكورة في قوله تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاؤُا الذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَلُوا أو يُصَلُّبوا أو تُقطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أو يُنقوا مِنَ الْأَرْضِ (المائدة: 33).
(2) انظر: زعماء الإصلاح أحمد أمين، ص 380.
(4) المصدر السابق، 309/ 3
- 225 -
-