الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩و لم تقتصر الدعوة إلى المقاطعة على مدارس النصارى فحسب بل دعا إلى مقاطعة أزيائهم، وقد مَرَّ بنا آنفا موقف السالمي من مسألة تقليد الكفار في اللباس ()، والذي يعنينا هنا هو ما لهذه الدعوة من تثبيط لعزائم الكفار، لَمَّا لا يجدون لمساعيهم أي تأثير على المسلمين في أبسط الأمور (كاللباس) فضلا عن التأثير في المواقف والمعتقدات. إضافة إلى كساد الاقتصاد الاستعماري، فقد كانت ولا تزال البلدان الإسلامية أكبر سوق استهلاكية للصناعات الأوروبية والأمريكية.
ح حكم العمل تحت دولة مشركة:
تحرج السالمي من عمل القاضي تحت حكم المشركين أو الجورة (2)، فقال: «والدخول في القضاء عند هَؤُلاء عَلَى هَذَا الوصف فيه ما فيه، والخلاف في التقصي للجبابرة مشهور، ومن كان … محترزا لدينه فلا أن يحكم بالْحَقِّ بين خصمين، ولو كان الذي سلطه على الحكم من الظلمة»، ثُمَّ يرى رأيا آخر في كتابه "بذل المجهود)، حين ردَّ عَلَى الزنجباري الذي يرى أنَّ من أسباب الاستعمار هو شغور مناصب إدارة الدولة، فعمرها الكُفَّار ومن لا خلاق له، لأنَّ الأكفاء من المسلمين فروا بدينهم، وتخلوا عن تلك المناصب، زعما منهم أَنَّ ذَلِكَ غير جائز، فردَّ عَلَيْهِ السالمي بشدَّة: «لو تدري ما قلت في هذه الكلمات لأكثرت الزفرات وأطلت العبرات كيف تقول: "زعما منهم أَنَّ ذَلِكَ غير جائز“ كَأَنكَ المكذب بذَلِكَ، ونصوص الكتاب والسنة القاطعات تمنعنا من معاونتهم عَلَى ظلمهم، ولو بأقل قليل، والجهل آفة، ولولا أنَّ الكلام يخرج بنا عن المقصود لبسطنا الأدِلَّة عَلَى منع الظلم والمعاونة عَلَيْهِ، وحسبك الآن قوله تَعَالَى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وقد لُمت أنت الفضلاء بما أثنى الله به عَلَيْهِم في كتابه العزيز، ودعوتهم إلى فعل ذم الله الداخل فيه … ». وللسالمي رأي ثالث في حكم العمل في البلاد التي استولى عَلَيْهَا المشركون والجبابرة، وَهُوَ أَنَّ الحكم يختلف بحسب الأحوال ونوع العمل،
فإن كان خيرا فهو خير، وإن كان شراً فشر، وما أفضى إلى الشر فهو شر، وما لا يمكن فعله إلا بمعصية فهو معصية، ومن عمل شَيْئًا يستحقُ عَلَيْهِ العناء في المال فله أن يأخذ عناءه، وإن دفع إليه المشرك أو الجائر وحين سئل عن حكم عمل القاضي في دولة الجبابرة؟ أجاب بأنَّ الرأي الصحيح والمعمول به
جاز له» (6)
(1) انظر: ص 226 من البحث.
(2) لم يفرق السالمي في فتاواه بين دولة الجورة ودولة المشركين في مسألة عمل القاضي فيهما، لأنَّ حكم السلطان في ذلك العهد لم يكن إلا صوريا، والتحكم الفعلي هو للإنجليز. (3) العقد الثمين 450/ 2
(4) كتاب بذل المجهود من أواخر مُؤلّفات السالمي، فقد يكون ما ذكر في الكتاب مستقر رأيه، ولكن لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أنه
بصدد الرد، وقد يختلف الرأي بين الرد الخطابي، وبين البحث الرصين.
(3) بذل المجهود، ص 58 - 59.
(6) العقد الثمين، 461/ 2. جوابات، 411/ 4.
- 239 -
-
Document
téléchargé
depuis www.pnst.cerist.dz
CERIST