الشيخ نور الدين السالمي: حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية مصطفى بن محمد شريفي

الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية

الجزء ١ · صفحة ٢٥٥

والجواب نجده عند السالمي، إذ أطلق على الحارثي اسم المحتسب، وعرَّفه بأنه: رجل حر مسلم ثقة أمين، يقوم مخلصا الله عند عدم الإمام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قدر طاقته، ويكون عالما وأمينا فيما يأمر به وينهى عنه، وغير متهم في دينه؛ وأن لا يكون آمرا بالمعروف ولا يفعله وينهي عن المنكر ويفعله وفي هذه الحال تحب نصرته، وجُوز له القيام بالحدود، وجباية الصدقات وتولية وكلاء الأيتام والأرامل، بل وفعل كُلِّ ما للإمام فعله (1). والملاحظ أنَّ رأي السالمي هَذا قد وسّع من صلاحيات المحتسب، وأعطاه من المكانة والدور السياسي والقضائي والفقهي والاجتماعي ما يُعطى لإمام الظهور، وهو ما لم يعطه بعض الفقهاء، فليس للمحتسب المتطوع عندهم أن يعزر ويقيم الحدود. ويبدو أنَّ الحارثي والسالمي - في تلك الفترة ـ تكيفا مع الظروف التي لم تسمح لهم بتطبيق مسالك الدين على حذافرها، فجمعا بين مسلكي الدفاع والشراء، فأعطيا مفهوما أوسع، وسلطة أقوى للمحتسب، وسارا عليه. وكان السالمي يأمل أن يتم إحياء الإمامة على يدي الحارثي، إلا أَنَّ الله تَعَالَى لم يُقَدِّر ذَلِكَ، إذ سرعان ما تُوُفِّيَ الحارثي في إحدى معاركه، ثُمَّ كانت للسالمي بعد ذلِكَ خطوات اتَّبَعَها، فتم له مراده بعد نحو سبعة عشر عاما، وَهَذِهِ الخطوات سنتناولها بالعرض والتحليل في حديثنا الآتي عن دور السالمي في إحياء الإمامة.

رابعا - دور السالمي في إحياء الإمامة: أجمع من كتب عن السالمي عَلَى أَنهُ كان الركن الأعظم في إحياء الإمامة، وقبل الحديث عن مساعيه العملية، نتعرض إلى الإطار النظري الذي كان السالمي يسير وفقه، أو بالأحرى بدافع منه.

أ- المنطلق النظري: تمثل سيرة الرَّسُول، وسيرة الخلفاء الراشدين المرجعية التاريخية والفقهية التي يعود إليها المسلمون في مبدأ تولية الحاكم، وفي أسلوب الحكم، وقد حاول الإباضية عبر تاريخهم استعادة ذلك التاريخ الزاهر للحكم الإسلامي، فلم تكن مبادئ الإمامة - عند الإِبَاضِيَّةِ عُمُوماً، وفي عمان خُصُوصًا - نَظَرِيَّةٌ مثالية، لا تتجاوز أوراق كتب الفقه والسياسة الشرعِيَّة، وقد نجحت إلى حد بعيد بأن سلمت من الوقوع في الهوة الفاصلة بين التنظير السياسي والتطبيق الميداني، هَذِهِ الهوة التي وقع فيها كثير من المفكرين المسلمين (4) واستطاع العمانيون أن ينزلوها إلى أرض الواقع، فطبقوها عمليا.

(1) انظر: الحق الجلي، ص 5 - 7.

(2) انظر: معالم القربة في معالم الحسبة: القرشي، محمد بن محمد بن أحمد دار، الفنون كمبردج، ص 7 - 12. الموسوعة الفقهية: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، 223/ 16 - 241. برنامج جامع الفقه الإسلامي).

(3) انظر على سبيل المثال: نهضة ص 120. مُقدِّمة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/ "د". مُقدِّمة التنوخي لشرح الجامع، 1/ "ط" …

(4) الفكر السياسي: جهلان، ص 238.

،

- 255 -

Document

téléchargé

depuis

www.pnst.cerist.dz

CERIST