الشيخ نور الدين السالمي: حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية مصطفى بن محمد شريفي

الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية

الجزء ١ · صفحة ٢٥٩

فَلَمَّا

أمير الجبل الأخضر ورئيس بني ريام ومن تبعهم: الشيخ حمير بن ناصر النبهاني، ومشايخ بني هناءة أولاد هلال بن زاهر، وكانوا مطاعين في قومهم، وكانوا آنذاك يعانون من شِدَّة تضييق الخناق عليهم من قبل السلطان، فهم يودُّون لو يجدون الظهر فيستندوا إليه، والمساعد فيقووا به لما يرون من الاضطهاد، اجتمع بالشيخ حمير النبهاني كلمه فيما يخفيه عن نفسه، فصادف السهم مرماه، والسيل محراه، فأجابه بلا تلعثم ولا توان بما يثلج الصدر وينعش القلب

ولما

(2)

وجد الموافقة من عِدَّة قبائل، قرر موعدا سرِّياً في 12 ربيع الآخر 1331 هـ/ 20 مارس 1913 م للاجتماع بتنوف، وفي أوَّل الشهر المذكور جمع الأمير عيسى أعيان الحارثيين، فاجتمع رأيهم على منع السالمي من الإقدام عَلَى هَذِهِ الخطوة الخطيرة، خوفا من خيانة القبائل التي أبدت موافقتها، فتسلمه لحكومة مسقط، وأنَّ الوقت غير مناسب؛ فألغي اللقاء، حسب ما يُفهم من كلام أبي بشير (3)

يبدو أنَّ هَذِهِ المعارضة من أصدقاء السالمي قد أثرت فيه، ولكنها لم تفل من عزيمته، بل دفعته إلى آخر استشارة في الموضوع، فأرسل لزميله الشيخ عامر بن خميس المالكي، والشيخ عامر بن سيف الحجري «فقص عَلَيْهِما القصص، واستشارهما قائلا: "لعلي عاشق لأمري، فأفتياني، واصدقاني رأيكما. فأيداه وثبتاه، فقوي عزمه»)، ومضى إلى الخطوة الأخيرة، فقرر اجتماعا سرئًا آخر بتنوف، فاستجاب لندائه جماعة من العلماء والطلبة الذين يثق بهم، يقدمهم الشيخ أبو مالك عامر المالكي، وحمير بن ناصر النبهاني، وأولاد الشيخ هلال بن زاهر الهنائي (). فخرج السالمي من بلدته بالظاهر في الشَّرْقِيَّة إلى تنوف، دون أن يلفت انتباه أحد، وحدد في طريقه أماكن الالتقاء بأصحابه وتجميع القوات، وأرسلوا أمامهم من يرصد لهم الطريق،

(1) حمير بن ناصر بن سيف بن سليمان الحميري (1291 - الجمعة 7 جمادى الثانية 1338 هـ /1874 - 27 فيفري 1920 م): حاكم الجبل الأخضر بعمان، ساند الإمام السالمي في الإمامة مساندة فعالة انظر: نهضة، ص 108 - 111. (2) المصدر نفسه، ص 151 - 132. وانظر: عُمان، غباش، ص 277. فكر السالمي العزري، ص 179. يقارن مع ما رواه الشيخ سعيد الحارثي في اللؤلؤ الرطب، ص 19.

قال العزري: مقابل ذلِكَ [موافقة الشيخ حمير قدَّمَ السالمي تنازلا مهما على ما يبدو من حديث الابن». (فكر السالمي ص 179) ولكن ليس في حديث الابن أبي بشير - ولا غيره - أي دلالة على أي تنازل، حيث يقول: «وسأله الشيخ الحميري عن مسائل دينية، فأجابه نور الدين عَلَيْهَا، فأظهر التنصل والتوبة، وشرع في الخلاص من المظالم». (المصدر نفسه وأنى للسالمي أن يركن في دينه ويقدم تنازلا في قضية تتعلق بمظالم العباد من أجل مكسب سياسي، وَهُوَ الذي عمل على نبذ كُلِّ صور النفاق، مع ما عُرف به من شدة في قول الحق دون محاباة لأحد. ثمَّ إنَّ توبة النبهاني كانت صادقة مخلصة، بدليل شزوعه في رد المظالم، ومساندته الكبيرة للإمامة؛ فكلام العزري يفتقد إلى الموضوعية العلمية المدعمة بالنصوص والشواهد التاريخية. واتهام خطير من هَذَا القبيل للسالمي لا يقدح في السالمي في هَذِهِ القَضِيَّة فحسب، بل يقدح في مصداقية كُلّ فتاواه المُتعلقة بالأحكام والقضاء والسياسة.

(3) انظر نهضة ص 157 - 158.

(4) المصدر نفسه، ص 153. وانظر فكر السالمي العزري، ص 180

(5) انظر: نهضة، ص 156.

- 259 -

Document

téléchargé

depuis www.pnst.cerist.dz

CERIST