الشيخ نور الدين السالمي: حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية مصطفى بن محمد شريفي

الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية

الجزء ١ · صفحة ٧٤

1

كل المصادر التي اطلعت عليها لا تذكر محطة مهمة في حياة السالمي سوى مصدر واحد مخطوط فيه ترجمة للسالمي وضعها ابنه أبو بشير، يقول فيها: «ثُمَّ دعته نفسه إلى الخروج إلى الديار النزوية، فخرج من الرستاق على طريق الجبل الأخضر، ونزل نزوى، وبها الشيخ محمد بن خميس السيفي، وكان من علماء الأسرار، فأعطاه طريقة مناسبة لمراده من طلب العلم، وأمره بالخلوة والرياضة (1)، حَتَّى نال مراده من وهبيات العلم اللدني، وكان قبل هَذِهِ الخلوة قد اختلى خلوات بالباطنة، فسمع هاتفا يقول له: محمد بن خميس بنزوى، فرحل إليها. وكانت له خلوات أخراهن بفلج مسعود المسمى: "الطائف". حصلت له فيها فوائد جمة. أخبرني أنَّ من جملة الأهوال التي أتته قبل حصول المطلوب لتدفعه عن مراده و لم يعبأ بها أنَّ شيطانا أسود بلغ رأسه عنان السماء، وله خلق مهول، وكزه بأصبعه في الكمة التي عَلَى رأسه وأصابعه كمسامير من نار، فاحترقت الكمة التي على رأسه، وكان بها الحجاب، ولم يبق إلا الحجاب، لم ينله سوء، فقال له: قد آذيتنا، ولم يجبه الوالد، وبعد ذلك حصلت الفائدة، ورجع الشيطان مدحورا لعنه الله، كُلُّ ذَلِكَ حسدا عَلَى نيل العلم» (2). يُبَيِّنُ هَذَا النص أنَّ السالمي كانت له رياضات روحية يمارسها في خلواته، وكانت له المدد المعنوي في طلبه للعلم، والصبر عَلَى تحمل مشاقه. إلا أنَّ فيه - في النص ـ ما يتعارض مع الواقع، إذ كيف له أن يتعرّف عَلَى هَذَا الذي فعل به ذَلِكَ ويحكم بأنه شيطان وأنه «أسود بلغ رأسه عنان السماء، وله خلق مهول»، علما بأنَّهُ ضرير؟! وإن كُنَّا لا نكذب الشيخين ــ النور السالمي وابنه ـ خاصةً وَأَنَّهُ صَرَّحَ بإخباره بِذَلِكَ، وَلَكِن من المحتمل أن يكون قد رأى ذلك في الحلم، واحترقت الكمة بسبب من الأسباب في الواقع، فاستيقظ من غفوته ظانا بأنَّ ذَلِكَ كان حقيقة، فكثيرا ما يمزج الإنسان في أحلامه بين الواقع المحيط به وَهُوَ نائم، وبين ما يراه في منامه، فتتألف قصة هي من الوضوح بحيث تبدو وكأنها حقيقة. والله أعلم.

ثُمَّ إِنَّنا نتساءل: لماذا حذف أبو بشير هذه الفقرة بكاملها لَمَّا نقح ترجمة والده ووضعها في كتابه نهضة الأعيان؟ أكان ذَلِكَ مراعاة لطبيعة القراء الذين قد لا يتقبلون الرواية بسهولة، أم لأنَّ في الأمر شَيْئًا؟.

(1) نقل حاجي خليفة عن كتاب: مواقف الغايات في أسرار الرياضيات للشيخ أبي العباس أحمد البوني قوله: إن «أطوار الرياضيات على ثلاثة أقسام: الأول: رياضيات السالكين، الثاني: رياضيات المريدين الثالث رياضيات العارفين». انظر: كشف الظنون: حاجي خليفة، 1891/ 2. (برنامج المكتبة الألفية). (2) ترجمة السالمي (مخ)، ص 4. أثرت إيراد النص كاملا لتتضح مناقشته، ولأنه - حسب علمي - ينشر لأول مرة. وقد ذكر الحارثي تلك الخلوة، وذكر أن الشيطان قد أتاه عدة مرات. انظر: اللولو الحارثي، ص 62.

- 74 -

Document

téléchargé

depuis www.pnst.cerist.dz

CERIST