العنف ومنابعه
الجزء ١ · صفحة ٢٤الفصل التمهيدي: مفاهيم ومنطلقات
عديدة أن تؤثر في نمو الإنسان وتكسبه معارف ويتجاوب معها، دون أن تكون تلك الأمور مقصودة أو يكون الغرض منها تنمية شيء ما في الإنسان، فكما يملك الإنسان أن يؤثر في جيل غير راشد، يمكن لأمور أخرى أن تؤثر في هذا الجيل (غير (الراشد فتحدث فيه تغيرات معينة وتطورا في مهارات وخبرات معينة، ولا يمكن أن يكون الراشد هو دائما مصدر عملية التربية إذ نجد أن كتب التربية تكاد كلها تجمع على الدور المهم والخطير لجماعة الرفاق في التأثير على شخصية الطفل، فهذا عمل ينمي في الإنسان قدرات معينة سواء أكانت سلبية أو إيجابية لكن ليست من قبل الراشدين، ويقال كذلك بالنسبة للجيل غير الراشد نفسه، إذ يمكن أن يكون هو مصدر تأثير على شخصيته من
سعيه المستمر على تطوير بعض المهارات والقدرات فيه، فيقال إن ذلك الإنسان عصامي وهـ يترب في بيت بل تعلم من الحياة، إذن فالسعي في تطوير المهارات كان ذاتيا.
ولا يسلم من هذا التأثير على شخصية الجيل غير الراشد، حتى الوضعية الاجتماعية وطبيعة الحكم السياسي وحتى المنطقة السكنية والمناخ وإلى هذا التعريف ذهب "دوركهايم" (EMILE DURKHIEM/1885 - 1917) فقد عرف التربية بأنها جملة التأثيرات غير المباشرة التي تؤثر في ملكات الإنسان، وذلك بتوسط أشياء متنوعة من مثل القوانين وأشكال الحكم والصناعة، والظواهر الفيزيائية التي توجد بشكل مستقل عن إرادة الإنسان مثل المناخ والتربة والوضعية الاجتماعية»، فهو لا يستثني في تعريفه أي شيء له علاقة بالطفل، سواء أكان إنسانا أو جمادا أو ظرفا معينا لا يستثنيه التأثير على عملية التربية وتوجيهها، إيجابا أو سلبا. من
لم
والتربية «ظاهرة إنسانية قديمة قدم الحياة على وجه الأرض، مارسها الإنسان بعفوية وتلقانية ثم كون من خلال الممارسة والخبرة … مجموعة من المعتقدات والأفكار التي انتقلت من جيل إلى جيل التسند العمل التربوي ولتشكل بعد ذلك نواة التفكير المنظم في «التربية»، فإذا كان موضوع التربية هو الإنسان؛ وهو كائن حتي يتأثر بكل ما حوله من الظروف الزمانية والمكانية، فيصعب إذا بل يستحيل أن نفصل الإنسان أو نعزله عن الوسط الطبيعي الذي يعيش فيه، فإذا كان النبات يتأثر بالمناخ وإحرارة الشمس وأحيانا بالأصوات التي تنبعث من الكائنات من حوله، ويتأثر بنوعية التربة التي يزرع فيها وبنوعية الماء الذي يسقى به ونفس الكلام يصدق على الحيوان بدرجة أكبر طبعا،
ا - إميل دوركايم / التربية والمجتمع / ص 55.
د. عبد الفتاح إبراهيم تركي / نحو فلسفة تربوية لبناء الإنسان العربي / دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، الطبعة الأولى
21
9_-/1993
2