العنف ومنابعه
الجزء ١ · صفحة ٢٩الفصل التمهيدي: مفاهيم و منطلقات
فينشأ بذلك الطفل كما أراده المربي إلى حد كبير، ويتوقف هذا على معرفة المربي بتقنيات التربية وأساليبها أو جهله لها، فينشأ الولد نشأة غير متوازنة إذا اعتمد المربي على جانب دون آخر، أما إذا كان المربي عارفا لعمله متقنا له فتكون الثمرة ناضجة كاملة غير مشوهة.
فمن الشعوب والمجتمعات من تصرف همها إلى تعزيز الاستعدادات الحربية … فتعود الأولاد منذ حداثة سنهم على احتمال البرد، وذلك صالح جدا للصحة والأغراض الحربية، فغرض مثل هذا يوجه المربي إلى الاهتمام بجانب القوة البدنية ليجعل منه إنسانا محاربا، وأهم صفات المحارب الشدة
والقوة والقسوة، فهي تسعى إلى إنشاء بنيات مصارعين، وهي تشوه جمال الأجسام وتسيء إلى
نموها
3
ويصيرون أبناءهم ذوي طباع فظة وحشية»، ومن الأمثلة على ذلك شعب "الكوا "الكواكتيل" فهم يعتقدون أن الإنسان لا يفرض ذاته حقا إلا بالصراع، وأن ثقافتهم مبنية على عادة الضراع من
أجل النفوذ، وتسعى التربية كلها إلى تنمية بذور "البرانويا " لدى الطفل»
5
فهذه المجتمعات غير المجتمعات التي تجعل أسمى أهدافها التربوية التمكن العلمي أو التفوق في الحياة أو تحقيق الرفاهية (لا) الصراع مع الآخرين، فهذه الأهداف تدفع الإنسان إلى الاهتمام بنفسه وما يحققه من رفاهية وما يكتسب من مهارات وبالتالي يصرف جهوده إلى هذا الغرض، وبطبيعة الحال سيكون نمو الحقد والعنف ضئيلا عنده ولن يكون فظا ولا غليظ الطباع.
وكما يمكن للتربية أن تجعل من الإنسان الآدمي حيوانا متوحشا، كذلك يمكن لها أن تستدرك التربية ولو بصعوبة، فتجعل من صاحب الطباع الفظة الغليظة إنسانا وديعا ومسالما إذا وضعت ذلك من أغراضها ولا «ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن، إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية»، وقد جعل "كانت"
1 - أرسطو / في السياسة / ترجمة الأب أو غسطين باربارة البولسي / اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، نيروت-لبنان، توزيع المكتب
الشرقية، الطبعة الثانية 1980/ صر 411.
2 - أرسطو / في السياسة / ص 427. هنود يسكنون الساحل الغربي لكندا.
3
4 - البرانويا أو «جنون الاضطهاد، يشعر الماء أنه مضطهد أو أنه من العظماء أو أنه محاط بمن يضمرون له الشـ المرض ويستمر لكنه لا يؤثر على العمل الذي يؤديه المريض» دليل الأمراض النفسية والبدنية/ ترجمة إميل ل بندس/
الطبعة الرابعة 1991/ منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت/ ص 117.
5 - فريق من الاختصاصيين / المجتمع والعنف / ص 73.
) - الغزالي / إحياء علوم الدين / ج 8، ص 1439.
26