العنف ومنابعه
الجزء ١ · صفحة ٤٦الفصل الأول: أصل العنف وأنواعه
ووصفا للحرب عبر التاريخ أفاض د. خالص جلبي في تتبع مراحل الحروب منذ أن وجد الإنسان على وجه الأرض، بدءا من أول دم أراقه قابيل بن، آدم ومرورا بظاهرة الجيوش الذكورية النظامية في حملة كل من "دارا" و "كزركسيس" على اليونان أو الحرب العالمية القديمة بين روما وقرطاجنة التي استهلكت موارد كلتا الدولتين من خلال ثلاث جولات من الصراع المريع في القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد قادت الأولى إلى الفناء تحت التراب، والثانية إلى العدمية فوق التراب، وبهذا ماتت الاثنتان عمليا».
و مرورا كذلك بالحربين العالميتين الأولى والثانية، وترسانة الألمان وخطط الحلفاء، وملايين الضحايا الذين حصدتهم الحروب التي كانوا هم وقودها وانتهاء في المرحلة الثانية عشر بالرؤوس النووية للصواريخ العابرة للقارات وما شهده العالم في "نكازاكي" و"هيروشيما" باليابان إثر انت جار قنبلتين قتلت كل واحدة منها آلاف الأبرياء في ثواني محدودة و لم تعد هاتان القنبلتان الفتاكتان إلا جزءا مهملا أمام مخزون الأسلحة الذي يدب فوقه العالم المتوحش المتحضر!!، فالجيل الثاني من السلاح النووي طور قوة التفجير حتى وصل بقوة تفجيرية إلى 58 ميجا طن أي ما هو أقوى من قنبلة "هيروشيما" بـ 3800 مرة، وكان وراء القنبلة الأخيرة الاتحاد السوفياتي الذي أراد إنتاج قنبلة أقوى من قنبلة هيروشيما بـ 6666 مرة».
من قال إذن إن هذا المجتمع البدائي هو المتوحش فقط، وهذا المجتمع المتحضر لا يحمل بذور الحرب والقتال ألا يحق القول أن هذه المجتمعات تحمل نفس صفات المجتمعات البدائية، هذه المجتمعات التي تتبجح بإنشاء جمعيات للرفق بالحيوان ومنظمات الحقوق الإنسان، وهي في ذات الوقت تدخل أتون حرب تحصد الأخضر واليابس، وهي مستعدة لأن تدير رحى الحرب على كراسي باستعمال الأزرار لا الخناجر والسيوف، هذه الحرب التي يكون ضحاياها الملايين في الثانية الواعدة، ألا يحق أن ينطبق على هذه المجتمعات المتحضرة وصف "هوبز" (HOBBES 1679 - 1588) للمجتمعات البدائية المجتمع البدائي يقوم على حرب كل واحد لكل واحد ولما سئل الفيلسوف برناردتشو" عن الحرب العالمية الثالثة أجاب: لا أدري، ولكن الأكيد أن
الحرب العالمية الرابعة ستكون بالحجارة والعصي.
3
1 - سيكولوجية العنف واستراتيجية الحل السلمي / مص 66.
2 - المرجع السابق ص 73.
3 - أصل العنف والدولة / 96.
43