العنف ومنابعه
الجزء ١ · صفحة ٥٣الفصل الأول: أصل العنف وأنواعه
مثل انتقال المرض بالعدوى، فإذا لم يكن الشخص ذا مناعة كافية وسليمة تعلم من الوسط الذي يخالطه، سواء في المدرسة أو العمل أو الشارع السلوكات التي تجعل منه إنسانا عنيفا يقبل على ممارسة العنف كما تقبل عليه جماعته. فالنظرية تبنى على أساس الاختلاط بين الناس مع الفارق الموجود بينهم، الذي لا يعرف الجريمة ولا يمارس العنف وليس له قيم تمجده يتعلم من غيره من الرفاق الذين ألفوا العنف وتعلمه سواء بالاختلاط المنتظم مثل زملاء الدراسة والعمل أو غير المنتظم مثل الذين تجمعهم به اللقاء العابر، فيكون هذا الاختلاط سببا لانتقال أفكار العنف وقيمه بين الأشخاص.
لكن السؤال المطروح، هو لماذا صاحب الطباع الطيبة والحسنة يتعلم من غيره وليس العكس مادام الأمر يتعلق بالاختلاط وباختلاف خبرات ورصيد كل طرف؟ الأكيد إذن أن هناك عوامل أخرى تجعل العنف والإجرام ينتقل بسرعة عن طريق العدوى، خلاف لقيم السلم واحترام المجتمع
وأعرافه.
ونظرية الاختلاط الفارق في ذات الوقت لم تحط بمشكلة العنف والإجرام من كل الجوانب، فتخطت الجوانب الذاتية الأخرى، والتي لا تقل أهمية عن الجانب الاجتماعي.
المطلب الرابع: المدرسة التكاملية
حاولت هذه المدرسة الجمع بين شتى المدارس السالفة الذكر، وأكدت أن السلوك الإجرامي إنما ينشأ من تظافر كل العوامل التي ذكرتها المدارس الأخرى، ولا يمكن إهمال أي منها، وهي تجمع كل ذلك في عوامل داخلية وأخرى خدارا بية تخص المجتمع والبيئة التي يحيا فيها، فهي تعتبر «الجريمة سلوكا ناشئا عن فشل الضوابط الشخصية الداخلية والخارجية في إيجاد اتساق بين السلوك والمعايير الاجتماعية». ويظهر أن آراء هذه المدرسة أكثر انسجاما مع الواقع، وأقرب إلى الصواب في تفسير
السلوك الإجرامي.
فقد أخذ أنصارها كل ما ضبطته المدارس الأخرى واستفادوا من النقد الذي وجه لها، واعتمدوا «العوامل البيولوجية والعضوية والنفسية والاجتماعية في محاولة منهم لإيجاد نظرية متكاملة لتفسير السلوك الإجرامي»، فوفق أصحاب النظرية فيما ذهبوا إليه لانسجامها مع الواقع،
1 - الجريمة والانحراف (الحدود والمعالجة) / ص 215.
2 - د. محمد ناجح / دور مؤسسات التربية في الوقاية من الجريمة/ 76.
50