العنف ومنابعه
الجزء ١ · صفحة ٧٦الفصل الثاني: نمو العنف عند الأطفال.
ليصبح سلوك الأبناء يتميز بالروح العدوانية والتهجمية المصاحبة للعنف»، فمثل هذه المشاهد المتكررة تعلم واقعيا الأبناء كيف يتصرفون في المستقبل مع أفراد عائلتهم، أو حين تواجههم مشكلات من نفس النوع. النموذج الآخر لانهيار القيم والأخلاق هو عدم كفاءة الوالدين للقيام بأمر التربية والرعاية، ويظهر
هذا في عدم تفاهمهما على الطريقة الملائمة للتربية، فتتنازعه «سلطتان مما يترتب عليه اختلاف في المعاملة وتذبذبها، وسوء في استخدام السلطة الضابطة وفقدان للأمن والطمأنينة»، أو تكون المعاملة التي يتعرض لها الطفل كأسلوب للتنشئة غير المتسقة، بل تتسم بالعشوائية والخضوع لانفعالات الوالدين وظروفهما، إما إفراطا في استعمال العنف وإما إفراطا في الدلال «فأسلوب التذبذب في المعاملة وعدم الاتساق فيها يرتبط بالعنف … فمعظم أرباب الأسر المسيئة كانوا غير متسقين وثابتين في تنشئتهم وعقابهم لأطفالهم، الأمر الذي يؤكد مزيدا من المخالفات، وبالتالي مزيدا من العنف، بل الواجب أن تكون الطريقة المتبعة في التربية واضحة مستقرة ولو كان فيها شطط ومبالغة في جانب من الجوانب، لأن «نمو الأولاد نموا انفعاليا سليما وتناغم تكيفهم الاجتماعي يتقرر ولحد بعيد بدرجة اتفاق الوالدين وتوحد أهدافهما في تدبير شؤون أطفالهما.
5
وما ينبغي التركيز عليه هو عادة غالبية الوالدين في المسارعة إلى العقوبة كأسهل طريقة لمنع الولد عن القيام بما يرفضانه والواقع أنها تؤدي إلى نتائج عكسية «فالعقوبات المادية إذا تكررت مرارا عديده، كانت نتائجها جعل الطبائع عنيدة، وحين يعاقب الآباء أولادهم على عنادهم فإنهم بهذا إنما يجعلونهم أشد عنادا»، فتكرار العقاب يدفع الطفل إما إلى الاستكانة والخضوع وإما إلى الدفاع عن ذاته والانتقام من الجهة القاهرة والمذلة، وحتى الاستكانة والخضوع، فإنها بلا مراء سوف يتحولان فيما بعد إلى قوة هائلة من العنف تفتك بالذين يقعون مستقبلا، تحت سيطرة ومسؤولية الذي كان بالأمس مذلولا مستكينا، فهو يريد ممن يقع تحت مسؤوليته أن يكون مذلولا مستكينا كما كان فهو - حسب رأيه ـ التعبير الأمثل للطاعة
والانضباط.
والحذر كذلك يجب أن يكون من العنف غير المباشر حين يميز الوالدان بين الأبناء، خاصة الذكور منهم على الإناث أو المولود الجديد على الأول، أو الصغير على الكبير، فهما دون شعور يؤججان نار
1
2
3
4
5
الأحداث المنحرفون – دراسة مقارنة / ص
51
الجريمة والانحراف - الحدود والمعالجة نفس المرجع / ص 53. اتجاهات ومناحي لفهم العنف الأسري / نفس المرجع / ص 89 الأحداث المنحرفون نفس المرجع / ص 54.
د. عبد الرحمن بدوي / فلسفة الدين والتربية عند كانت / المؤس سسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى
-
1980 / ص 146.
73