الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ١١

الديني الإسلامي عن الخلافة وغيرها من المؤسسات السياسية، وعلى أن الحكام السياسيين لا يستطيعون الإشراف على مصادر سلطان الدين لأنها ملك للجماعة ولا

علاقة لأحد، بها، وأن الخلافة ذاتها نابعة من ذلك السلطان، وأنها رمز سياسي له. وكانت هذه الأحداث ذات أهمية أساسية فى مستقبل الإسلام كله، ذلك أنها حالت دون أن يرتبط بأي نظام سياسي، وأمدت النظام الدينى والجماعة معه بالحرية اللازمة للتطور على أسس ما يحويه الإسلام من طبيعة ومنطق ذاتيين. وفي الوقت نفسه، كان النزاع بين النظم الدينية والسياسية يقوم على نحو أكثر تعقيدا وأقل وضوحا، في ميدان آخر، إلا أن ثمراته على هذا الصعيد لم تكن في صالح النظام الديني. والمنحى السياسي الفارسي، استتبع صراعا بين المثل العليا الأخلاقية والاجتماعية، ودار أكثره فيما قد نسميه السيادة العربية. وتسمى حركة بث الصبغة الفارسية باسم الشعوبية». وقد جرى الناس على أن يعتبروها تيارا من رد الفعل، ظهر بين الفرس ضد السيادة العربية. إلا أن هذا تفسير غاية فى الضيق. فقد كان أصحاب هذه الحركة هم طبقة الكتاب العاملين فى الدواوين. وكان نفوذهم قد ازداد زيادة بالغة في ظل الدولة العباسية، لسببين:

أولهما: أن الخلفاء أكثروا فى سرعة، من استخدام الموظفين في دواوين الدولة.

وثانيهما: أن نفوذ الوزراء ورؤساء الدواوين كان يعظم ويتزايد.

فأهمية الحركة الشعوبية، إذن، تكمن في أنها تمثل جهود طبقة الكتاب ليفرضوا (وهم يتحاشون الاصطدام جهارا بالنظام الإسلامي) سيطرة تقاليد البلاط الفارسي وليس هذا وحسب، بل ولكي يبعثوا البناء الاجتماعي الفارسي القديم بكل ما يحويه من مراتب طبقية متمايزة، ولكى يحلوا روح الثقافة الفارسية محل ما خلفته التقاليد العربية من مؤثرات في المجتمع المدنى الجديد المتطور بسرعة في العراق، وسبيلهم إلى ذلك أن يترجموا للناس وينشروا بينهم كتبا فارسية الأصل تلقى بينهم ذيوعا ورواجا.

و تمخضت هذه الحركة عن أولى النتائج، وإذا بالمانوية المستخفية في العراق تنبعث من جديد، وانتشرت في مجالات أوسع روح استخفاف بالدين، وقلة احترام له،

خفية مستترة.

وبينما كانت الخلافة تحاول أن تستأصل شأفة الزندقة بتعذيب أصحابها، اتجه المفكرون الإسلاميون ممن كانوا أكثر ثقافة وتشددا - أعنى رجال المعتزلة - إلى المؤلفات

11