الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٢الفلسفية الإغريقية وإلى مؤلفات الجدل النصراني الهلنستي، حيث وجدوا وسائل الجدل التي تكفل لهم أن يقارعوا الثنوية حجة بحجة وأن يفحموهم، وأن يسندوا الفلسفة الأخلاقية المستمدة من القرآن.
وفي الوقت ذاته، دخلت حركة الشعوبية في مرحلة من الهجوم العلني على العرب، وتوجيه النقد الجارح اللاذع للتقاليد والأمجاد العربية، وبذلك دفعت بالنظام الديني كله إلى أن يقف نصيرا للدراسات العربية على أسس دينية، لأن هذه الدراسات هي التي كانت تزود العلوم الدينية الناشئة بالأسس اللازمة لها. وبذلت جهود لمواجهة ما أبداه الشعوبيون من نشاط أدبى، ومن تلك الجهود ولد أدب عربي إنساني متشرب بتقاليد الجزيرة العربية، ونظمها حسبما كانت قبل ظهوره.
وهكذا، كانت المقاومة المضادة للشعوبية ذات طرفين: ديني وأدبي، وكانت مقاومة استطاعت بقوتها ووزنها أن تكبح، في سرعة، تيار الأخطار التي تنطوي عليها الحركة الشعوبية.
فلما تم النصر في مقاومة الشعوبية، برزت خصائص المذهب السني. فقد تمسك هذا المذهب تمسكا شديدا بمبدإ استقلاله الروحى، وبحقوقه وواجباته في فرض المقاييس الأخلاقية الإسلامية
وكانت النتيجة الفورية لذلك، أن ظهر انقسام ظل إلى عهدئذ كامنا أو مستورا، بين النظام الديني والنظام السياسي. فقد ترك النظام الثانى حرا في تطوره، دون أن يكون للنظام الديني سوى سيطرة ضئيلة نسبيا عليه. ولما اتسعت الهوة بين واقع الحكم السياسي، والمعايير الخلقية في الإسلام، اتضح لعلماء السنة أنفسهم أن استقلالهم الروحى محفوف بالخطر، لأنهم أصبحوا مضطرين لأن يسلموا بمزيد من التنازلات والتسويات التوفيقية التي أصبحت تنتزع منهم انتزاعا من أجل الحفاظ على مبدا
الوحدة.
استطاع فقهاء السنة أن يخلصوا الإسلام من المصالح والتقاليد السياسية والعنصرية. وفى تلك الخطوات تم عمل آخر مواز للأول، فى الوقت نفسه، أعنى تحديد مضمون الإسلام بعيدا عن التأويلات المذهبية وتعسف الفرق. كان الإسلام في البداية نهجا في الحياة من جميع نواحيها اتخذ وجهة أخلاقية خاصة. نهجا قررته اعتقادات عامة مستمدة من القرآن. وقد استهدف الفقهاء، في الأدوار الأولى من مراحل الصراع، أن يحافظوا على ذلك النهج في وجه مختلف ضروب التحدى. وقد نعتت ضروب التحدى هذه بأنها كانت خارجية، إذا نحن نظرنا إلى أن القوى التي حفزتها كانت
12