الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٠6
وأما مصطلح الجماعة»، فأصل ذلك اجتماع الناس على أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله، ثم على عمر ثم على عثمان، ثم على على. فقيل لهم: أهل الجماعة. وكان هذا الاسم قد بان لهم بعد خروج على رضى الله عنه وأصحاب الجمل وأهل الشام، حتى قتل على رضى الله عنه، فلما قتل وكثرت الفتن بخروج الحسن، ثم بخروج الحسين، ثم بعد ذلك أيام ابن الزبير والخوارج … كان السواد الأعظم وعامة الناس مجتمعين على بني أمية أيام معاوية، وبعده على ولده، ثم بعد ذلك على بني مروان. . . فادعى جمهور التابعين هذا الاسم وقالوا نحن أهل الجماعة .. فمن،: خالفنا فقد شق العصا، وخالف الأمة، وترك السنّة، ونحن أهل السنة والجماعة. يعنون أنهم مجتمعون على إمام واحد مع اختلافهم في المذاهب والآراء، وابتداعهم الأهواء الكثيرة، وإقامتهم على التنازع والتشاجر بينهم في الأحكام والفرائض. أدرك الخلفاء العباسيون بوضوح أهمية الدور الذى كان الفقهاء قد لعبوه في مصاير الدولة، فجعلوا التعاون بين دولتهم الجديدة وبين الفقهاء ركنا ركينا في سياستهم. ولو لم تتغير الدولة، لكان مقدرا للتطور الذى بدأ في ظل الأمويين نحو إقامة نظم ملكية مركزية، ونحو صهر العرب، ذوى السيادة والتميز حتى عهدئذ، في نطاق الأمة الإسلامية عامة أن يستمر استمرارا طبيعيا، إلا أن تغير الدولة أسرع بإنجاز ذلك التطور، وجعل وجهته واضحة محددة وسر ذلك أن العباسيين إنما نالوا الخلافة وحافظوا عليها بقوة التحالف الذي نشأ بين العرب النازلين في خراسان وأرستقراطية الفرس الذين اعتنقوا الإسلام في تلك البلاد فأراحوا الخلافة من وطأة العصبية القبلية العربية. فقد أخذوا يؤدون للناس ما للخلافة من منزلة دينية ومن مهمات دينية، ويرعون الفقهاء رعاية يكفلون بها حماية رسمية «لمذهب سنّى» يوحد أمر الجماعة.
6
ثم إن الارتباط الوثيق بين السنة والخلافة العباسية كان مقدرا له أن يؤدى ـ بل أدى في الواقع - إلى أن يرفض المذهب السنى كل الجماعات التي تعارض الحكم العباسي، فانحاز البربر المعارضون للعباسيين في شمال غربي إفريقية إلى المذهب الخارجي، ونجح المذهب الشيعي نجاحا مطردا في أن يجتذب إليه القبائل العربية في بلاد العرب وبادية الشام.
وقد وقع النزاع علنا، عندما قام المأمون وخلفاؤه يحاولون فرض المبادئ ذات الصبغة اليونانية، التي نادى بها فريق المعتزلة مذهبا رسميا)، ويضطهدون زعماء السنة المعارضين وانتهى الصراع بانتصار السنة، وكان برهانا قاطعا على استقلال النظام