الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ١٣

مستمدة من قيم أخرى، وإن صدرت جميعها من داخل الجماعة، وتمثلت في طريقة خاصة من التأويل للإسلام. ولهذا، اضطر الفقهاء عند مواجهة كل تحد منها إلى أن يهاجموا التأويل المتصل به. إلا أنهم نزعوا في البداية إلى نبذ كل ما لا يرتضونه، لا إلى إحقاق ما يرتضونه بطريقة إيجابية، وذلك حرصا منهم على أن يحتفظوا بأكبر قسط ممكن من الوحدة الأخلاقية. وأصبحت هذه السياسة، التي اتبعها فقهاء السنّة عامدين، دون إخلال أو تردد، خاصة بارزة من خصائص السنة. وأبى الفقهاء السنيون، على نقيض الفرق الصغيرة المنشقة التي اعتنقت ما أنكره أهل السنة أن يضعوا حدودها حاسمة فارقة، وأباحوا قسطا كبيرا من الحرية في التأويل والاختلاف في الفروع، ولم يتجاوزوا حد التوكيد على شيء غاية في بساطته، وهو مبدأ الولاء للجماعة.

وخطا التنظيم الإسلامي خطوة أخرى، تجاوز بها موقف الدفاع ضد الانحراف، وبلغ مرحلة التعريف الإيجابى لماهية العقيدة، وهي مرحلة اشتملت على تكوين علم الكلام. وحينئذ، قام بخطوة كانت ذات أهمية حاسمة في تاريخ الإسلام كله، ووجهت الثقافة الفكرية الإسلامية بالتالى في وجهة لم تحد عنها.

وإذا بحثت عن أصول المنهج المتبع فى هذه الخطوة، وجدتها في المشكلات العملية التي واجهت الجماعة أكثر مما تجدها فى النزعات الفلسفية. ويبدو أن أولى المشكلات إنما كانت تتصل بتطبيق الشريعة. فعند نهاية القرن الأول، أخذت تطبق في مختلف المدن والولايات قواعد فقهية منفصلة ومختلفة، استمدت من تفسيرات الفقهاء في كل بلد، وأصابها التعقيد بما في ذلك البلد من قوانين عرفية ونظم إدارية. ولحظ كبار الفقهاء ما كان ينطوي عليه هذا الأمر من خطر. واقتضى هذا الأمر نشوء علم جديد غايته. جمع الحديث ونقده وتصنيفه وتنسيقه والحصول فى النهاية - بقدر الإمكان ـ على مجموعة متفق عليها يتقبلها الجميع. وقد استأثرت هذه المهمة بالكثير من طاقات الفقهاء والعلماء في القرن الثالث، ولكن القائمين عليها أحرزوا نجاحا حتى أصبح حديث الرسول الصحيح يعتبر مرجعا ثانيا معتمدا للفقه والعقيدة.

واتبع فقهاء السنّة هذا الأسلوب نفسه في موقفهم من علم الكلام وهم يصارعون أسلوب النظر العقلى الذي استخدمه المعتزلة في تفسير العقائد القرآنية. فإن فقهاء السنة لم يلجئوا إلى الجدل التأييد مواقفهم، بقدر ما اعتمدوا على الأحاديث النبوية. وبهذه الطريقة ذاتها كسبوا جمهور المسلمين إلى صفوفهم. وكان فقهاء المسلمين، الذين قاموا بهذا الدفاع عن الوحدة في وجه الانحرافات

13