الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٤الهدامة، لا يزالون يشعرون بأن أسس دفاعهم مصطنعة، وأن وسائل الدراسة التي استخدمتها «علوم الحديث إنما وضعت لتأييد صحة البناء كله بمعايير شكلية. وهذا لم يكن كافيا. ولذلك فإنهم، استجابة للنزعة العامة فى الفكر السنى، دعموا تلك الأسس بمبدإ ينص على أنه إذا أجمع الفقهاء المجتهدون على مسألة كبرى من مسائل العقيدة أو الفقه، فإن إجماعهم حاسم قاطع، وإثارة الجدل من حول تلك المسألة المجمع عليها مروق وضلال. أما المسائل الصغرى، فلا مانع من الاختلاف حولها نظريا وعمليا. وبهذا تمكنت أن تبقى موحدة من حيث المبدأ فى وجه صنوف الضغط السياسي والكوارث، والسيل الدافق من الأفكار الجديدة والشعوبية. بفضل تلك
المصادر وهي:
1 - كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تفسره وتكمله 2 - السنة النبوية الصحيحة. - مبدأ الإجماع الفقهي
واستغل الشيعة، معارضو النظام السنى، ما لدى هذه الطبقات من مظالم اجتماعية واقتصادية، وقاموا بدعوتهم. غير أن ما أحرزوه من نجاح بين أعراب بادية الشام وأكارى السواد وعوام المدن، اقتصر على خلق نواة للفوضى الاجتماعية، دون غايات بناءة أو مثل عليا ثقافية، ولذلك لم تكن هذه الحركات الشيعية ذات أهمية كبيرة في تطور الثقافة الإسلامية. وأهم منها في هذا الصدد تلك الحركة الفاطمية الإسماعيلية «الموجهة»، التي قامت قبيل نهاية القرن الثالث. فقد استهدفت هذه الحركة إقامة نظام ديني جديد على أساس المزاوجة بين الإسلام والثقافة الهلنستية وكسب تأييد الطبقات المثقفة الجديدة. وأقام قادة هذه الحركة مراكز نظامية للتعليم المنهجي، ونظموا دعوة واسعة النطاق لنشر تعاليمهم. ولم يفتهم الاهتمام بالجماهير الشعبية، فأقاموا في المدن مراكز ونقابات لأصحاب الحرف. فلما انتقلت الخلافة الفاطمية من تونس إلى القاهرة
(973) كان دعاتها منبثين في جميع أرجاء العالم الإسلامي. وقد قدم أنصار المذهب الفاطمى والميالون إليه إسهامات في شتى الميادين الفكرية، فظهر أبو حاتم الرازى والفارابى فى الفلسفة، وعلى بن يونس في الهيئة، وابن الهيثم في الطبيعيات والبصريات وماسويه وعلى بن رضوان في الطب، وكتب إخوان الصفا رسائلهم في العلوم الطبيعية. ولكن أهمية الحركة الفاطمية فى النهضة الإسلامية ينبغى ألا تقاس فحسب بما حققه هؤلاء الأنصار وأمثالهم، وإنما تقاس أيضا بالتشجيع الذي حفزت به كل ضروب النشاط الفكرى حتى بين معارضيها في السياسة والدين، حتى
14